انطلاقاً من بالي … إندونيسيا تبدأ رحلة نحو الطاقة الشمسية بقدرة 100 جيجاواط
كتبت:فاطمة بدوي

تواجه بالي، إحدى أشهر الوجهات السياحية في إندونيسيا، مفارقة لافتة؛ إذ لطالما اعتمدت الجزيرة على محطات توليد الطاقة التي تعمل بالديزل لتوليد الكهرباء، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز صورتها العالمية كوجهة مستدامة غنية بجمالها الطبيعي.
وفي هذا السياق، اختارت الحكومة المركزية بالي موقعًا لحفل وضع حجر الأساس لبرنامج وطني لتطوير محطات طاقة شمسية بقدرة إجمالية تبلغ 100 جيجاوات ذروة.
وقد خصص الرئيس برابوو سوبيانتو وقتًا لتدشين هذا المشروع الضخم مباشرةً عند نصب عملية عبور بحر جاوة-بالي التذكاري في جيليمانوك، مقاطعة جيمبرانا، في 25 أغسطس/آب.
وقال حينها: “سنبني محطات بقدرة 100 جيجاوات، ونحن جادون في ذلك”.
قد يبدو الرقم المستهدف خياليًا، ولكنه يبدو أكثر ضخامة عند مقارنته بقدرة إندونيسيا الحالية على توليد الطاقة، والبالغة 88 جيجاوات ذروة، والتي تُزود بها محطات تعمل بالفحم والنفط والغاز والطاقة الحرارية الأرضية.
حثّ الرئيس مساعديه في الحكومة على تحقيق الهدف بحلول عام 2029.
وبذلك، انطلقت إندونيسيا في رحلة طموحة لمضاعفة قدرتها على توليد الطاقة – التي بُنيت على مدى عقود من توسيع البنية التحتية – خلال فترة وجيزة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا المستوى العالي من الثقة لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى تجارب وطنية حديثة أثبتت نجاحها رغم التحديات.
وأشار برابوو إلى نجاح إندونيسيا في تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من السلع الغذائية بعد عام واحد فقط من توليه منصبه، متجاوزًا بذلك الهدف الأولي الذي حددته الحكومة لأربع سنوات. وهو الآن يسعى إلى تكرار هذا الإنجاز في قطاع الطاقة.
ومع ذلك، فإن قصة النجاح هذه ليست الدافع الوحيد وراء هذا الهدف الطموح. فقد انبثق برنامج الطاقة الشمسية من حسابات اقتصادية دقيقة.
وبدعم من استثمارات محتملة تبلغ 1.14 تريليون روبية (حوالي 62 مليار دولار أمريكي)، من المتوقع أن تُوفر هذه المبادرة 5.5 مليون وظيفة وتُخفض تكاليف دعم الطاقة بمقدار 73.9 تريليون روبية (أكثر من 4 مليارات دولار أمريكي) سنويًا.
جنةٌ تُغذّيها أشعة الشمس.
بالنسبة لبالي، يحمل اختيارها كمنصة للمرحلة الافتتاحية للمشروع أهمية رمزية وعملية، لا سيما بالنظر إلى مكانة الجزيرة في توليد الطاقة.
تُعرف بالي أيضًا باسم “جزيرة الآلهة”، وقد خُصصت لها الحصة الأكبر – 1 جيجاواط ذروة – من إجمالي 5.3 جيجاواط ذروة مُستهدفة لـ 14 محطة طاقة شمسية سيتم إنشاؤها في ست مقاطعات خلال المرحلة الأولى.
وقد روعي في هذا التخصيص اعتماد المنطقة على الكهرباء المولدة من الديزل، حيث تتوقع شركة الكهرباء الحكومية (PLN) أن تُساهم هذه المبادرة في خفض استهلاك وقود الديزل بما يصل إلى 0.6 كيلولتر.
علاوة على ذلك، حددت الحكومة الحصة في غضون أيام معدودة. بدأت العملية بنقاش ليلي في 22 أغسطس/آب ضم وزير الطاقة والموارد المعدنية بهليل لاهاداليا، وحاكم بالي وايان كوستر، والرئيس التنفيذي لشركة الكهرباء الوطنية دارماوان براسودجو.
وافق الرئيس برابوو على الحصة المقترحة في اليوم التالي مباشرة، قبل إطلاق البرنامج الوطني بعد يومين.
شكلت هذه السرعة في الإجراءات مفاجأة، نظرًا لأن البيروقراطية الإندونيسية غالبًا ما تُعرف بتعقيداتها المستمرة. في الوقت نفسه، يمكن اعتبار ذلك مؤشرًا على تزايد الاهتمام السياسي الحكومي بتحول بالي في مجال الطاقة.
من وجهة نظر بالي، يُعد برنامج الطاقة الشمسية بقدرة 100 جيجاواط ذروة هو ما تحتاجه تحديدًا من القيادة الوطنية لتحقيق رؤيتها في التحول الكامل إلى الطاقة الجديدة والمتجددة بحلول عام 2030.
جاء البرنامج كحلقة مفقودة في معضلة الاستدامة في المنطقة، والتي لطالما تمحورت حول إدارة النفايات والحفاظ على البيئة لدعم علامتها التجارية في مجال السياحة الخضراء.
بفضل قدرة توليد طاقة شمسية تبلغ 1 جيجاواط، تملك بالي فرصةً لترسيخ مكانتها كوجهة سياحية مستدامة من خلال تزويد الفنادق والمطاعم والمرافق العامة بكهرباء أنظف.
وعلى نطاق أوسع
، يعد مشروع الطاقة الشمسية، كبرنامج وطني، بآثار اقتصادية شاملة على إندونيسيا تتجاوز حدود بالي.
إذ يُتوقع أن تستغني إندونيسيا عن واردات طاقة بقيمة تتراوح بين 14.4 مليار دولار أمريكي و28.9 مليار دولار أمريكي، مع تعزيز الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 26.6 مليار دولار أمريكي من خلال توليد 100 جيجاواط من الطاقة الشمسية.
وتجعل هذه الأرقام من المنطقي النظر إلى هذا المشروع الضخم من منظور أوسع من مجرد الاعتبارات البيئية، حيث يمكن أن يكون البرنامج أداة استراتيجية لتخفيف الضغط الناتج عن تكاليف استيراد الطاقة على الميزان التجاري الإندونيسي.
وقد أدرجت شركة الكهرباء الوطنية (PLN) هذا البرنامج الطموح في مراجعة خطتها التشغيلية لإمدادات الكهرباء للفترة 2025-2034. وتستهدف الشركة الحكومية توليد 17 جيجاواط من الطاقة الشمسية على المدى القريب، مع إنشاء مرافق داعمة على مساحة 24,000 هكتار من الأراضي في جميع أنحاء جاوة.
يُعدّ مشروع محطة الطاقة المتجددة الإقليمية (RUPTL) دليلاً على جدية طموح إندونيسيا في توليد 100 جيجاواط من الطاقة الشمسية. فهو ليس مجرد تصريح سياسي يُلقى في مناسبة احتفالية، بل جزء من خطة طويلة الأجل لأمن الطاقة الوطني.
ومع ذلك، لا تزال المسافة بين وضع حجر الأساس وتحقيق هدف 100 جيجاواط كاملة كبيرة.
ويعتمد بناء محطات الطاقة المتجددة بهذا الحجم على عوامل متعددة، بدءًا من توفر الأراضي وجاهزية سلسلة التوريد، وصولاً إلى تزامن نقل الطاقة من قِبل شركة الكهرباء الوطنية (PLN) واستمرار التمويل على مدى السنوات القادمة.
لطالما شهدت مشاريع الطاقة في إندونيسيا تاريخاً من مراجعة الأهداف الطموحة بمرور الوقت. إلا أن ما جرى في جيليمانوك في نهاية أغسطس/آب كان له دلالات أعمق من مجرد الكلام.
فجزيرة بالي، التي لطالما اشتهرت بجمالها الطبيعي وثروتها الثقافية، بدأت الآن في وضع أسس طاقة تتناسب بشكل أفضل مع صورتها المستدامة التي قدمتها للعالم.










