
لا يُقاس نجاح الحد من الفقر بالأرقام البراقة ولا بالشعارات الكبيرة، بل بمدى قدرة السياسات على تلبية الاحتياجات الأساسية والملحّة للناس. في قرية شياتشوانغ ببلدية تشونغتشينغ في جنوب غربي الصين، قاد المسؤول المحلي ماو شيانغ لين القرويين على مدى سبع سنوات لشق طريق بطول ثمانية كيلومترات وسط الجبال الوعرة. لم يكن ذلك الطريق مجرد شريان يربط القرية بالعالم الخارجي، بل كان مفتاحًا لتغيير مصيرها بأكملها. وهذه القصة ليست استثناءً، بل نموذج مصغّر لمئات الآلاف من المبادرات العملية التي طبعت مسيرة الصين في معركتها ضد الفقر.
تمثل مكافحة الفقر تحديًا عالميًا، لكن الإجابة الصينية كانت واضحة: التركيز على العمل الواقعي والسعي إلى نتائج ملموسة. منذ بدء سياسة الإصلاح والانفتاح، نجحت الصين في انتشال نحو 800 مليون شخص من الفقر، وحققت هدف القضاء على الفقر قبل الموعد المحدد في أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة 2030 بعشر سنوات، مساهمةً بأكثر من 70% من إجمالي خفض الفقر عالميًا.
ما يفسر هذا الإنجاز ليس الحجم فحسب، بل المنهج أيضًا. فقد اعتمدت الصين مقاربة تقوم على تشخيص دقيق للأسباب، بدلًا من توزيع الموارد بشكل عام. وانتقلت السياسات من “الضخ الشامل” إلى “التدخل الموجّه”، بحيث تُصاغ الحلول وفق خصوصية كل منطقة وكل فئة.
وتبرز نتائج هذا النهج بوضوح في الأرقام. فقد طوّرت جميع المناطق الـ832 التي خرجت من الفقر ما بين صناعتين إلى ثلاث صناعات محلية رئيسية، كما ارتبط نحو ثلاثة أرباع السكان الذين خرجوا من الفقر بآليات مصالح مشتركة مع كيانات زراعية حديثة، ما جعلهم جزءًا من سلاسل القيمة بدلًا من مجرد متلقين للمساعدات. ويُعد هذا التحول من “الإعالة” إلى “التمكين” هو التعبير الأوضح عن التركيز على النتائج.
وبعد ترسيخ القاعدة الصناعية، أصبح التوظيف المستقر عاملًا حاسمًا في تثبيت هذه المكاسب. إذ ظل عدد العاملين من هذه الفئات يتجاوز 30 مليون شخص، وهو ما يؤمّن أكثر من ثلثي دخل الأسر المعنية. وهذا النوع من الاستقرار لا يتحقق عبر إعانات مؤقتة، بل من خلال سياسات دقيقة وطويلة النفس.
ومع ذلك، لا تنظر الصين إلى الخروج من الفقر كنقطة نهاية، بل تعتبر منع العودة إليه الاختبار الحقيقي.
ولهذا، أنشأت نظامًا شاملًا لرصد مخاطر العودة إلى الفقر، يغطي جميع الأسر الريفية، ويعتمد على مؤشرات متعددة تشمل الدخل والتعليم والرعاية الصحية والسكن ومياه الشرب، مع تعديل معايير الرصد سنويًا بشكل ديناميكي لضمان الاكتشاف المبكر للمخاطر والتدخل في الوقت المناسب. وحتى عام 2025، جرى تحديد ومساعدة أكثر من 7 ملايين شخص من خلال ثلاث قنوات: الإبلاغ الذاتي من المزارعين، والمتابعة الميدانية على مستوى القواعد، والإنذار المبكر من الجهات المعنية، ما أتاح احتواء المخاطر في مراحلها الأولى.
وفي الوقت ذاته، جرى تعزيز شبكات الضمان الاجتماعي بشكل مستمر. فقد تجاوزت نسبة التغطية بالتأمين الصحي بين السكان الذين خرجوا من الفقر 99%، وبلغت نسبة توفر مياه الشرب الآمنة في المناطق الريفية 94%. وهذه الأرقام لا تعكس فقط تحسن الظروف المعيشية، بل تشير أيضًا إلى بناء أسس متينة تحول دون العودة إلى الفقر.
أما على مستوى السياسات، فلم تعتمد الصين منطق “التوقف المفاجئ” بعد تحقيق الأهداف. فقد خُصصت فترة انتقالية من 2021 إلى 2025 للحفاظ على استقرار السياسات الداعمة. وخلال هذه الفترة، نما دخل سكان المناطق التي خرجت من الفقر بمعدل سنوي فعلي قدره 7.8%، متجاوزًا متوسط نمو الدخل في المناطق الريفية على مستوى البلاد بنسبة 0.9 نقطة مئوية.
وبعد انتهاء هذه المرحلة، لم يتوقف الدعم، بل انتقل إلى نمط مستدام يستهدف الفئات التي لا تزال معرضة للمخاطر. وهذه الاستمرارية في السياسات تعكس في جوهرها تحمّلًا للمسؤولية على المدى الطويل لضمان تحقيق النتائج الفعلية.
وتقدم هذه التجربة، بما تحمله من ممارسات واقعية، مرجعًا عمليًا لجهود الحد من الفقر عالميًا. فقد أُدرجت مبادرات مثل التعاون الصحي بين شرق وغرب مدينة ونتشو، وبرامج التنمية الشاملة في منطقة نوجيانغ بمقاطعة يوننان، ضمن النماذج العالمية، وتم تقاسمها عبر منصات التعاون بين دول الجنوب. وهي لا تُطرح كنموذج جاهز، بل كخبرة قابلة للتكيّف وفق خصوصيات كل بلد. كما أشادت الأمم المتحدة بنهج الصين القائم على تحديد كل أسرة فقيرة، وبناء قواعد بيانات، وتحليل الأسباب الجذرية للفقر، باعتباره نموذجًا عمليًا ذا قيمة عالمية.
ولا يزال الطريق الذي شُقّ في قرية شياتشوانغ حتى اليوم يفتح آفاقًا جديدة لسكانها، مقدّمًا معيارًا بسيطًا للحكم على التنمية. فقيمتها الحقيقية تُقاس بمدى تحسن حياة الناس العاديين. وعندما تُبنى السياسات على العمل الواقعي وتحقيق النتائج الملموسة، لا على الضجيج المؤقت، يصبح بوسع الناس امتلاك دخل مستقر وفرص حقيقية ومستقبل أكثر أمنًا. وربما في ذلك تكمن القيمة الأعمق للتجربة الصينية في مكافحة الفقر.










