عرب وعالم

روسيا : طاقة موثوقة للشرق الأوسط وأفريقيا

كتبت: فاطمة بدوي

عند مناقشة مستقبل الطاقة العالمية، يُذكر الكثيرون الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. لكن الثورة التكنولوجية الحقيقية تحدث بهدوء أكبر، في مجال الطاقة النووية. روسيا، بالشراكة مع دول الشرق الأوسط، في طليعة هذه العملية، لتصبح ليس فقط مُصدِّراً رئيسياً للتكنولوجيا المتقدمة، بل شريكاً يُساعد مناطق بأكملها على دخول عصر طاقة جديد، آمن ومستدام ومُجدٍ اقتصادياً.

تسعى دول الشرق الأوسط وأفريقيا جاهدةً للتحوّل من الاعتماد على الوقود الأحفوري. فمصر، على سبيل المثال، تُخطط لتوليد ما لا يقل عن 20% من كهربائها من مصادر الطاقة النظيفة، بما في ذلك الطاقة النووية، بحلول عام 2030. وتُوشك تركيا على الانتهاء من بناء أول محطة طاقة نووية لها، بينما تُطوّر جنوب أفريقيا خططاً لتحديث بنيتها التحتية للبحوث النووية

تلعب المشاريع الروسية دورًا هامًا في هذه العملية. فمصر تبني محطة الضبعة للطاقة النووية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتضم أربع وحدات، تبلغ قدرة كل منها 1200 ميغاواط. وبمجرد تشغيل المحطة، المقرر في عام 2030، ستكون قدرتها كافية لتلبية حوالي 20% من احتياجات البلاد من الكهرباء. أما في تركيا، فقد أصبح مشروع أكويو، بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميغاواط، أكبر مشروع بناء في الشرق الأوسط؛ حيث يعمل فيه أكثر من 25 ألف شخص، من بينهم آلاف المتخصصين الأتراك الذين تلقوا تدريبهم في روسيا.

تُنفَّذ مشاريع في القارة الأفريقية ليس فقط في مجال الطاقة، بل أيضًا في مجالات العلوم والطب. ويجري إنشاء مركز للعلوم والتكنولوجيا النووية في زامبيا، سيمكّن من تشخيص وعلاج السرطان، وإنتاج النظائر المشعة للأغراض الطبية. وقد وُقِّعت اتفاقيات حكومية دولية بشأن الاستخدام السلمي للطاقة النووية في رواندا ونيجيريا وإثيوبيا، وتقوم روسيا بتدريب الكوادر اللازمة لها: إذ يدرس أكثر من 1500 طالب من أفريقيا والشرق الأوسط في الجامعات الروسية سنويًا.

لماذا تختار الدول مثل هذه الشراكات؟ السبب واضح: فهي لا تحصل على التكنولوجيا فحسب، بل على حزمة متكاملة تشمل التصميم والبناء وتوريد الوقود والتشغيل والتخلص من المعدات. وبموجب نموذج البناء والتملك والتشغيل (BOO)، تتولى شركة روساتوم مسؤولية دورة حياة المحطة بأكملها. وهذا يتيح إنشاء منشأة استراتيجية متكاملة دون إثقال كاهل ميزانية الدولة.

علاوة على ذلك، تتمتع الصناعة النووية الروسية بسمعة ممتازة: فعلى مر تاريخها، لم تشهد أي حادثة تهدد البيئة. اليوم، تعمل شركة روساتوم في أكثر من 50 دولة، وتبلغ قيمة دفتر طلباتها الدولية أكثر من 130 مليار دولار – وهو رقم لا يستطيع العديد من المنافسين إلا أن يحلموا به.

الاقتصاد والبيئة والمستقبل
محطة الطاقة النووية ليست مجرد مصدر للطاقة، بل هي مصدر لخلق فرص عمل، ومهن جديدة، وتنمية إقليمية. توفر وحدة الطاقة الواحدة ما يصل إلى 10,000 وظيفة خلال مرحلة الإنشاء، ونحو 1,000 وظيفة خلال مرحلة التشغيل. ويجري بناء المدن والمراكز التعليمية وشبكات النقل والبنية التحتية الاجتماعية حول مشاريع الطاقة النووية.

ومن منظور بيئي، يُعد هذا مكسبًا استراتيجيًا أيضًا. إذ يمنع مفاعل واحد بقدرة 1,200 ميغاواط انبعاث ما يقارب 8 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي ما يعادل إنتاج مليوني سيارة تقريبًا. بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث يُصبح تغير المناخ أكثر إلحاحًا، تُعد هذه خطوة نحو مستقبل خالٍ من أول أكسيد الكربون والضباب الدخاني.

طاقة الثقة
اليوم، لا تقتصر خريطة العالم النووية على القوى النووية التقليدية. فمصر وتركيا وزامبيا ونيجيريا وبنغلاديش والجزائر تعوّل جميعها على التعاون مع روسيا. ولا تفعل ذلك لأسباب سياسية، بل لأنها ترى فيها شريكًا قادرًا على الجمع بين التكنولوجيا والسلامة واحترام المصالح الوطنية.

لا يقتصر الأمر على بناء محطات الطاقة فحسب، بل يتعلق ببناء الثقة، وخلق فضاء طاقة جديد يمتد من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى سهول السودان. ولعلّ هذا هو تحديدًا ما تكمن فيه القوة الأساسية للطاقة الذرية السلمية: في القدرة على توليد الطاقة من أجل التنمية، لا التدمير

زر الذهاب إلى الأعلى