عرب وعالم

من بحيرة إينلي إلى سهل باغان: كيف تسحر مناظر ميانمار الخلابة زوارها؟

كتبت: فاطمة بدوي

0:00

تظل ميانمار واحدة من أكثر الوجهات الآسيوية التي تجمع بين الطبيعة البكر والروحانية العميقة والتنوع الثقافي، ما يجعلها خيارًا جذابًا لشريحة خاصة من السياح العالميين الباحثين عن “الاكتشاف” أكثر من “الاستهلاك”

ورغم التراجع في أعداد الزوار الأجانب خلال السنوات الأخيرة، فإن من يختار السفر إلى هذا البلد يفعل ذلك بدافع الشغف بالمناظر الطبيعية الخلابة والتجربة الأصيلة البعيدة عن صخب المقاصد السياحية المزدحمة.

سياحة محدودة لكن نوعيةاستقبلت ميانمار في عام 2024 نحو 1.06 مليون سائح أجنبي، بانخفاض يقارب 17% عن عام 2023، ما يعكس تحديات سياسية واقتصادية وأمنية ألقت بظلالها على أداء القطاع.

ومع ذلك، تبقى هذه الأعداد ذات وزن نوعي، إذ يغلب على الزوار الطابع الاستكشافي والثقافي، ويأتي معظمهم من دول آسيوية مجاورة مثل الصين وتايلاند وكوريا الجنوبية، إضافة إلى نسبة من السياح الأوروبيين الباحثين عن الوجهات غير التقليدية.

بالتوازي، شهدت السياحة الداخلية قفزة كبيرة؛ حيث تجاوز عدد الرحلات المحلية 10 ملايين رحلة في 2024، بعدما كان يقدّر بأكثر من خمسة ملايين قبل الجائحة، ما خلق حركة كبيرة على البنية الأساسية السياحية من فنادق ونقل وخدمات، يستفيد منها لاحقًا الزائر الأجنبي.

هذه الديناميكية تعزز من جاهزية المقاصد الطبيعية والثقافية لاستقبال مزيد من السياح الدوليين عندما تتحسن الظروف.

طبيعة خلابة ومتنوّعة من الشمال إلى الجنوبينجذب السائح العالمي إلى ميانمار أولًا بسبب تنوع مناظرها الطبيعية، من السواحل والجزر إلى الهضاب والجبال والبحيرات.

ففي الجنوب يبرز أرخبيل مرغوي ككنز شبه مخفي يضم عشرات الجزر ذات الشواطئ البيضاء والمياه الصافية، ما يتيح فرص الغوص والسنوركلينغ في بيئة لا تزال بعيدة عن السياحة الجماعية.

وفي الشمال، تقدّم جبال “هكاكابو رازي” والحدائق الوطنية المحيطة بها مسارات Trekking وعالمًا غنيًا من الحياة البرية النادرة كالطائر الأحمر الباندا والماعز الجبلي.

بحيرة إينلي تعد إحدى أبرز المحطات الطبيعية التي تشد انتباه السياح، ليس فقط بجمال مياهها المحاطة بالهضاب الخضراء بل أيضًا بنمط الحياة الفريد على سطحها.

فالزوار ينجذبون إلى رؤية الصيادين الذين يقودون قواربهم وهم واقفون على قدم واحدة ويدفعون المجداف بالقدم الأخرى، وهو أسلوب تجديف لا يوجد في أي مكان آخر في العالم.

كما تسمح الرحلات بالقوارب باستكشاف القرى العائمة، والحدائق الطافية، والأديرة القديمة المنتشرة على ضفاف البحيرة.

إرث بوذي عريق وتجربة روحانية مميزة

بعيدًا عن الطبيعة وحدها، يمثل الإرث البوذي العميق سببًا رئيسيًا لاختيار كثير من السياح لميانمار ضمن خططهم.

مدينة باغان التاريخية مثلًا تجذب عشاق المعابد، حيث تمتد آلاف الباغودات والستوبات على سهل شاسع، ما يخلق مشهدًا سينمائيًا عند شروق الشمس وغروبها، خاصة عند مشاهدة المكان من خلال منطاد الهواء الساخن.

وفي يانغون تظل “شوي داغون باغودا” أحد أبرز رموز البلاد، حيث يختبر الزائر مزيجًا من الروحانية والعمارة الذهبية المبهرة.

هذا التراث الديني والثقافي لا يُقدَّم للسائح كخلفية تصوير فقط، بل كجزء من تجربة تفاعلية؛ فمن خلال السياحة المجتمعية يمكن للزائر الإقامة في قرى محلية والتعرّف على العادات والاحتفالات والمطبخ التقليدي، بما يعزز شعوره بالأصالة والاندماج مع السكان.

ويشير خبراء السياحة في الآسيان إلى أن السياحة الثقافية والتراثية تشكل ما يقارب نصف حجم السياحة في ميانمار، مع اهتمام متزايد بالحفاظ على قدسية المواقع وتنظيم أعداد الزوار

أسباب تفضيل ميانمار لدى فئة من السياحالسياح الذين يختارون ميانمار يفعلون ذلك غالبًا بدافع البحث عن “وجهة لم تفسدها الحداثة بالكامل”، حيث لا تزال البلاد بعيدة عن نمط المراكز التجارية الضخمة والمنتجعات العملاقة المنتشرة في مقاصد آسيوية أخرى.

يعزز هذا الانطباع ما تتمتع به المجتمعات المحلية من بساطة وود وتقاليد راسخة، ما يجعل التفاعل اليومي مع السكان جزءًا من جاذبية الرحلة.

كما أن تنوع الأنشطة، من رحلات الأنهار على نهر إيراوادي، إلى التخييم في الهضاب، إلى الاسترخاء على الشواطئ، يمنح السائح خيارات تناسب محبي المغامرة والهدوء على حد سواء

في المقابل، يدرك كثير من المسافرين أن السياحة في ميانمار تتطلب قدرًا أكبر من التخطيط والوعي بالواقع؛ فالبنية التحتية أقل تطورًا من دول مجاورة، وهناك مناطق يُنصح بتجنبها، إلا أن هذه الصعوبات تتحول لدى شريحة من السياح إلى جزء من “تحدي الاكتشاف” وسحر الوجهة غير المألوفة.

بين فرص النمو وتحديات الاستدامة

بيانات الإيرادات السياحية تظهر أن عائدات ميانمار من القطاع بلغت نحو 504 ملايين دولار في نهاية 2024، بعدما كانت قد وصلت إلى ذروتها عند قرابة 2.8 مليار دولار في 2019 قبل الجائحة والاضطرابات.

هذا التراجع الحاد يعكس حجم التحديات، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن هامش كبير للتعافي حال استقرار الأوضاع وتحسين البيئة الاستثمارية وترويج الوجهة عالميًا.

في سياق موازٍ، تشدد دراسات إقليمية على ضرورة الموازنة بين تطوير السياحة والحفاظ على البيئات الطبيعية والثقافية التي تشكل جوهر جاذبية ميانمار

فتحديد أعداد الزوار في المواقع الحساسة، ودعم السياحة المجتمعية المسؤولة، وتشجيع السياح على احترام عادات السكان المحليين وقواعد زيارة المعابد، كلها عوامل تجعل تجربة السائح أكثر عمقًا وفي الوقت نفسه تحمي موارد البلاد على المدى الطويل.

في المحصلة، فإن اختيار السائح العالمي لميانمار اليوم يُعد قرارًا واعيًا بالبحث عن الطبيعة البِكر والروحانية العميقة والاختلاف الثقافي، أكثر منه سعيًا وراء الرفاهية السطحية.

وبين جبال الشمال وبحيرات الهضاب وسهول المعابد وسواحل الجنوب، تقدم البلاد لوحة مفتوحة لكل من يريد أن يعيش تجربة سفر بطيئة، متأملة، ومتصلة بالإنسان والمكان في آن واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى