من براسلاف إلى بيلوفيجسكايا بوششا: كيف تخطف طبيعة بيلاروسيا الخلابة قلوب الزوار؟
كتبت: فاطمة بدوي

تتحول بيلاروسيا تدريجيًا إلى خيار لافت على خريطة السياحة العالمية أمام شريحة من السياح الباحثين عن الطبيعة البِكر، والغابات الكثيفة، والبحيرات الهادئة بعيدًا عن ضوضاء الوجهات المزدحمة.
هذا البلد الأوروبي الذي يُلقَّب أحيانًا بـ”رئة أوروبا الخضراء” يجمع بين إرث طبيعي غني وبنية سياحية متنامية، ما يجعله محطة جذابة لعشاق الاسترخاء في حضن الطبيعة وسياحة الاستشفاء والبيئة.
أرقام السياحة ودوافع الزوار
تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد الوافدين الأجانب إلى بيلاروسيا بلغ نحو 366.700 سائح في عام 2024، مقارنة بحوالي 233 ألفًا في 2023، ما يعكس نموًا واضحًا في الإقبال رغم التحديات الجيوسياسية.
وتُظهر إحصاءات أخرى أن إجمالي الوصولات (بمختلف الأغراض) بلغ حوالي 6.6 مليون شخص في 2024، يشكّل الروس منهم ما يقرب من 80%، مع تزايد ملحوظ في أعداد السياح القادمين من الصين ودول الجوار.
كما ساهم نظام الدخول بدون تأشيرة لمواطني 38 دولة أوروبية حتى نهاية 2025 في تشجيع مزيد من الزوار على اختيار بيلاروسيا لرحلات قصيرة تمتد في المتوسط أربعة أيام.
يعتمد السياح في اختيارهم لبيلاروسيا على مزيج من العوامل؛ أبرزها هدوء البلاد وقلة الازدحام السياحي مقارنة بعواصم أوروبية أخرى، وأسعار الخدمات المعقولة، إضافة إلى الفرصة النادرة للوجود على تماس مباشر مع طبيعة لم تُستنزف بعد بالاستثمار المكثف.
وتؤكد الجهات الرسمية أن أكثر القطاعات جذبًا للزوار تتمثل في السياحة الثقافية والتاريخية، والسياحة العلاجية في المنتجعات الصحية، إلى جانب السياحة الريفية والإيكولوجية التي تتوسع بوتيرة متسارعة.
غابات وبحيرات.. ثروة طبيعية تجذب السياحتشكّل الطبيعة الخلابة العنصر الأهم في قرار السائح التوجه إلى بيلاروسيا؛ إذ تغطي الغابات نحو ثلث مساحة البلاد، وتضم الدولة أكثر من 11 ألف بحيرة ومئات الأنهار ذات المياه الصافية.
هذه التركيبة تجعلها وجهة مثالية لمحبي التخييم والمشي في الغابات، وركوب القوارب، والصيد، ومراقبة الطيور والحياة البرية ضمن بيئات شبه عذراء.
من أبرز الأيقونات الطبيعية “بيلوفيجسكايا بوششا”، أكبر غابة بدائية متبقية في أوروبا، والمدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، والتي تجتذب وحدها أكثر من 530 ألف زائر سنويًا، بينهم حوالي 117 ألف أجنبي.
هناك يمكن للسائح مشاهدة البيسون الأوروبي والحيوانات البرية النادرة، والاستمتاع بشبكة مسارات للدراجات والمشي وزيارة متاحف الطبيعة والعمارة الشعبية.
كما يبرز منتزه “ناراش” الوطني ببحيراته العميقة وغاباته الكثيفة، حيث تنتشر المنتجعات الصحية ومرافق الاستجمام على ضفاف الماء، ليصبح مقصداً لمن يبحث عن علاج طبيعي بالهواء النقي والمياه المعدنية
بحيرات براسلاف.. جنة الماء لعشاق الإيكوتوريزمتُمثّل منطقة “بحيرات براسلاف” في الشمال الغربي من البلاد إحدى أهم نقاط الجذب لعشاق الطبيعة.
فالمنتزه الوطني هناك يضم أكثر من 50 بحيرة تتصل ببعضها لتشكّل ما يشبه المتاهة المائية من الخلجان والرؤوس والألسنة البرية، على مساحة مائية تتجاوز 130 كيلومترًا مربعًا.
هذا المشهد الفريد يسمح للسياح بممارسة أنشطة التجديف، والإبحار بالمراكب الصغيرة، وصيد الأسماك، والاستحمام في المياه الصافية وسط أجواء من السكون.
الهواء المحمّل برائحة الصنوبر، والشواطئ الرملية الطبيعية، والتلال الجليدية القديمة، كلها عناصر تجعل من براسلاف وجهة مفضلة لقوافل السياحة الداخلية والوافدين من دول قريبة وبعيدة.
وتوفّر المنطقة مجموعة من أماكن الإقامة تبدأ من بيوت الضيافة الريفية وحتى المنتجعات المجهزة، بما يتيح للسائح الاختيار بين تجربة بسيطة قريبة من السكان المحليين أو إقامة مريحة بخدمات متكاملة.
سياحة بيئية وريفية بملامح محلية
تعمل بيلاروسيا منذ سنوات على تطوير ما يُعرف بالسياحة الريفية والإيكولوجية، مستفيدة من قرى تحيط بها الغابات والحقول والبحيرات، وتحافظ على نمط حياة تقليدي يجذب السائح الراغب في تجربة أصيلة.
في هذه القرى يمكن للزائر الإقامة في منازل ريفية، والمشاركة في أنشطة مثل جمع الفطر والتوت، أو تحضير أطباق المطبخ المحلي، أو ركوب العربات الخشبية، وهي أنشطة تشكل جزءًا من الثقافة اليومية للسكان.
هذه التجارب تقدم للسائح فرصة لإبطاء إيقاع الرحلة، والاقتراب من المجتمع المحلي واكتشاف علاقته العميقة بالغابة والبحيرة والحقل.
كما تُعد السياحة البيئية وسيلة للحفاظ على التنوع الحيوي، إذ يشترط في المشاريع السياحية احترام القواعد البيئية وعدم الإضرار بالمحميات والموارد الطبيعية التي تأسست عليها جاذبية البلاد.
بين تعزيز الجذب السياحي وحماية الطبيعة
تشير بيانات رسمية إلى أن عائدات بيلاروسيا من تصدير الخدمات السياحية بلغت نحو 268 مليون دولار في 2024، مع نمو بأكثر من 40% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام التالي، ما يعكس توجهًا واضحًا لرفع مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
ولتحقيق ذلك، تعمل السلطات على تطوير البنية الأساسية من طرق وإشارات سياحية ومسارات دراجات، إلى جانب توسيع برامج التأشيرة المجانية والترويج لمنتجات جديدة كالسياحة الصناعية والفعاليات الرياضية.
في المقابل، يبقى التحدي الأبرز هو الحفاظ على التوازن بين استقطاب مزيد من الزوار وحماية الغابات والبحيرات والمستنقعات التي جعلت البلاد معروفة كوجهة للبيئة البِكر.
لذلك تُطرح مبادرات لزيادة الوعي لدى السياح بأهمية احترام المحميات الطبيعية، وتنظيم أعداد الزوار في المواقع الحساسة، وتشجيع استخدام وسائل النقل الصديقة للبيئة داخل المنتزهات الوطنية.
في المحصلة، يختار السائح العالمي بيلاروسيا اليوم رغبة في الهروب إلى الطبيعة الصامتة والهواء النقي والبحيرات المتلألئة، بعيدًا عن صخب المدن الكبرى، وبحثًا عن تجربة سفر هادئة وعميقة في قلب أوروبا الشرقية الخضراء.










