عرب وعالم

من لنكاوي إلى بورنيو.. كيف تحولت ماليزيا إلى مسرح مفتوح لعشّاق الطبيعة؟

كتبت: فاطمة بدوي

0:00

تشهد ماليزيا خلال الأعوام الأخيرة تحولًا لافتًا في خريطة السياحة العالمية، بعدما باتت واحدة من أبرز الوجهات التي يتجه إليها عشّاق الطبيعة من مختلف القارات، بحثًا عن مزيج نادر يجمع بين الغابات المطرية العتيقة، والجزر ذات المياه الفيروزية، والمحميات البحرية والبرية الغنية بالتنوع الحيوي.

هذا الزخم انعكس مباشرة على أرقام القطاع السياحي؛ إذ سجّل نمواً قوياً في أعداد الزوار والعائدات، مدفوعًا تحديدًا بصعود نجم السياحة البيئية ومغامرات الطبيعة في مختلف أقاليم البلاد.

يرى خبراء السياحة أن جزءًا أساسيًا من جاذبية ماليزيا يعود إلى ثرائها الطبيعي الاستثنائي، حيث تحتفظ البلاد بأكثر من نصف مساحتها مغطاة بالغابات، مع ملايين الهكتارات من المحميات والمناطق المحمية التي تستقطب الباحثين عن تجارب بعيدة عن ضجيج المدن.

وتُعد غابة «تامن نيجارا» أحد أبرز رموز هذا الإرث الطبيعي، إذ توصف بأنها من أقدم الغابات المطيرة في العالم، وتوفر للزائر فرصة السير على الجسور المعلّقة بين قمم الأشجار، ومراقبة الحيوانات البرية والطيور النادرة في بيئة لا تزال تحتفظ بكثير من عذريتها.

ولا تتوقف حكاية السياح مع الطبيعة الماليزية عند حدود الغابات؛ فالجزر والشواطئ تلعب بدورها دورًا محوريًا في قرار السفر، خاصة إلى وجهات شهيرة مثل لنكاوي وبينانغ، بالإضافة إلى الجزر الصغيرة المخصصة للغوص ومشاهدة الشعاب المرجانية.

في هذه المواقع، يجد الزائر المياه الشفافة ذات التدرجات الزرقاء، ورمالًا بيضاء ناعمة تعانق حزامًا أخضر من الغابات الاستوائية الممتدة حتى حافة الشاطئ، ما يمنح تجربة بصرية فريدة توازن بين الاسترخاء على الشاطئ وخوض المغامرات في عمق الطبيعة.

أما في جزيرة بورنيو الماليزية، فتأخذ الرحلة طابعًا مختلفًا يمزج بين الاستكشاف العلمي والمغامرة، حيث توفر محميات الحياة البرية فرصة نادرة لمشاهدة حيوانات مهددة بالانقراض على غرار إنسان الغاب، إلى جانب رحلات القوارب في الأنهار المحاطة بالغابات الكثيفة.

وتبرز حديقة «غونونغ مولو» الوطنية، المصنّفة ضمن مواقع التراث الطبيعي العالمي لليونسكو، كنموذج حي على هذا التنوع؛ فهي تضم نظامًا فريدًا من الكهوف والتكوينات الكارستية والغابات الاستوائية التي تجذب متسلقي الجبال ومحترفي استكشاف الكهوف من مختلف الدول.

الملفت أن جاذبية ماليزيا لا تتوقف عند حدود المشهد الطبيعي، بل تمتد إلى الطريقة التي تُدار بها هذه الموارد، في ظل توجه رسمي لتعزيز السياحة البيئية وربطها بأهداف التنمية المستدامة.

تقارير متخصصة تشير إلى أن الحكومة الماليزية توسّع باستمرار شبكة المناطق المحمية، وتعمل على رفع نسبة الغطاء الغابي في بعض الأقاليم، بالتوازي مع تطوير بنية تحتية سياحية «خضراء» تُقلّص الأثر البيئي وتوفر للزوار تجربة مريحة دون الإضرار بالنظم البيئية الهشّة.

هذا التوازن بين الاستغلال السياحي والحفاظ على الطبيعة يشكّل أحد عناصر الطمأنينة لدى السائح الواعي بيئيًا، الذي يبحث عن وجهة يستمتع فيها دون أن يشعر أنه يساهم في تدمير مواردها.

في الوقت نفسه، يلفت كثير من المسافرين إلى أن المناخ الماليزي يلعب دورًا مشجعًا، إذ تتمتع البلاد بطقس دافئ على مدار العام تقريبًا، مع فترات موسمية يتجنبها البعض بسبب الأمطار الغزيرة، ما يسمح بهوامش واسعة في اختيار توقيت الرحلة بحسب رغبة السائح وبرنامجه.

كما يستفيد الزوار من شبكة مواصلات جيدة تربط العاصمة كوالالمبور بمعظم الوجهات الطبيعية، سواء عبر الرحلات الجوية الداخلية أو الطرق الحديثة، ما يجعل الانتقال من مشهد ناطحات السحاب إلى قلب الغابة أو الشاطئ البكر مسألة ساعات قليلة فقط.

عامل آخر لا يقل أهمية في قرار السياح العالميين هو عنصر التنوع في التجربة؛ فالسائح الذي يختار ماليزيا لا يذهب فقط من أجل الطبيعة، بل يحصل في الوقت نفسه على جرعة من الثقافة المحلية الغنية، والمطبخ المتعدد الأصول، والتعايش بين أعراق وثقافات مختلفة في مدينة واحدة.

هذا التنوع الثقافي ينعكس على العروض السياحية، من الإقامات الفاخرة في المنتجعات الشاطئية، إلى بيوت الضيافة البسيطة على أطراف الحدائق الوطنية، وصولًا إلى مخيمات المغامرة في عمق الغابات، ما يفتح المجال أمام شرائح مختلفة من المسافرين، من الرحالة محدودي الميزانية إلى العائلات والعرسان.

بيانات حديثة حول أداء قطاع السياحة في ماليزيا تُظهر أن هذا المزيج بدأ يؤتي ثماره على نطاق واسع؛ فقد سجلت البلاد نموًا قويًا في أعداد الزوار الدوليين والإنفاق السياحي خلال عام 2025، مع مساهمة ملحوظة للسياحة في الناتج المحلي الإجمالي وتوفير فرص العمل.

ويعزو مسؤولون في القطاع هذا الأداء إلى حملات الترويج المكثفة في الأسواق الآسيوية والأوروبية، وتحسين الربط الجوي مع المدن الكبرى، إضافة إلى التركيز الواضح على إبراز صورة ماليزيا كوجهة للطبيعة والتجارب الأصيلة أكثر من كونها محطة للتسوق فقط.

إلى جانب ذلك، تستثمر الشركات السياحية والهيئات المحلية في توظيف التكنولوجيا لدعم تجربة السائح في المواقع الطبيعية، عبر تطبيقات تعريفية بالمسارات البيئية، والإرشادات الخاصة بالحفاظ على الحياة البرية، وأنظمة الحجز الإلكتروني للأنشطة داخل المحميات.

هذه الأدوات تسهّل على الزائر التخطيط المسبق للرحلة، واختيار نوع المغامرة التي تناسبه، سواء كان تزلجًا بين الأشجار، أو رحلات الكهوف، أو تسلّق المرتفعات، أو الاكتفاء بجولات خفيفة في أحضان الغابات والشلالات القريبة من المدن.

ومع استمرار صعود السياحة البيئية عالميًا، تبدو ماليزيا في موقع مناسب لاستثمار هذه الموجة، خاصة أنها تمتلك رصيدًا كبيرًا من المواقع الطبيعية التي لا تزال أقل ازدحامًا مقارنة ببعض الوجهات المنافسة في المنطقة.

غير أن التحدي الأكبر أمامها يبقى في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين زيادة أعداد السياح وحماية مواردها الطبيعية من الضغط المفرط، وهي معادلة تعيها جيدًا السلطات الماليزية التي ترفع شعار «السياحة المستدامة» كخيار استراتيجي لا غنى عنه في السنوات المقبلة.

بهذه الخلفية، لا يبدو غريبًا أن يواصل السياح العالميون وضع ماليزيا على رأس قوائمهم حين يتعلق الأمر برحلة يختلط فيها صوت الطيور بزَخّات الشلالات، ووهج الشمس بزُرقة البحر وعمق الغابة.

زر الذهاب إلى الأعلى