مقالات الرأى

دكتورة حنان عيد تكتب : (أعذَب الشِّعر أصدقه .. أم أكذبه؟)

0:00

قال معظم النقاد أن أعذب الشِّعر أكذَبه .. فماذا يقصدون بالكذب في الشِّعر؟ هل يغريهم الجمال في الكلمات دون الصدق في المعنى .. وأن مر الواقع كفيل أن يخلق من خيال الشاعر عالماً جديداً يروق له فيفر هارباً إليه.
وكلما اشتَد بُعداً عن الواقع كان أكثر دقة وتوفيقاً وكان أعذب الشعر عنده أكذبه.

ولكن هناك من يقول أن الشعراء ثلاثة .. ففي وصف الوردة كمثال نجد واحداً منهم يرى الواقع واقعاً ولا يشعر به فيرى الوردة وردة لا أكثر ولا أقل .. وهذا بعيد عن الشعر لا يقع منه في كثير أو قليل .
وآخر يصف الوردة بما ليس فيها فيراها نجمة أو حجراً غالي الثمن .. أو أي خيال جميل غير أنها وردة.. وهذا النوع لا يشعر أيضاً ولكنه من الطبقة الثانية .

وهناك آخر يدرك أنها وردة دائماً ولكنه يضيف إلى كونها وردة ما تزدحم به وتردد دقات قلبه وتلوذ به مشاعره الراقية .. وهذا هو شاعر الطبقة الأولى.

ولذا يظل رقي الشاعر مرهون بدِقة الشعور والحس بما يكتب ويشعر بقلبه والسيطرة عليه بعقله .

وما أصدقه من شعر عندما يُقطِّر القلم حبات اللؤلؤ من حروف وكلمات لشاعر يصف حبيبته فيقول لها مثلاً:
تَمُرُّ الدُّهُورُ الشِّدَادُ وَ أَنْتِ
جَمِيلَة وَضِيئَة كَيَوْمِ وُلِدْتِِ .
كَأَنَّ الرَّحِيمَ اصْطَفَاكِ عَلَامَة
لِخُلْدِ الجَمَالِ بِهَا انْفَرَدْتِ.

وكما قال لها أيضاً:
أريد أن أخبرك أن حضورك
يبدّل في قلبي كل الفصول..
أنك لستي عابرة في أيامي
بل أنت يومي كله..
أريد أن أخبرك أن صوتك يطمئن قلقي .. وأن ملامحك تسكن في تفاصيل ذاكرتي كما تسكن النجوم ليلها .. أريد أن أخبرك أني حين أحببتك أدركت أن الطمأنينة ليست مكاناً … بل شخصاً تجسد فيكي ٠

وما كنت أصدق اشعار وكلمات الحب لولا عرفت كيف لُقِب حسان بن ثابت بشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم .. فعندما طلبو منه هجاء الرسولﷺ فكانت أجمل قصيدة كتبها في حبه ﷺ
لقد أعطى كفار قريش الشاعر حسان بن ثابت مبلغاً من المال وذلك قبل إسلامه ليهجوَ النبي صلى الله عليه و سلم فوقف حسان على ربوة ينتظر رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يأتي لينظر إلى صفةٍ من صفاته فيهجوه بها، و مرّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم، مرّ جميل الشيم , مرّ مصباح الظلم فلما رأه حسان رجع إلى قريش فرد لهم المال وقال هذا مالكم ليس لي فيه حاجة .

و أما هذا الذي أردتم أن أهجوهُ اللهم إني أشهدك أني أشهد أنه رسول الله .. فقالوا ما دهاك ما لهذا أرسالناك !
فأجابهم بقوله:
لما رأيت إلى أنواره سطعت .. وضعت من خيفتي كفي على بصري .. خوفاً على بصري من حسن صورته .. فلست أنظره إلا على قدري .. روحٌ من النور في جسم من القمر .. كحليةٍ نسجت من الأنجم الزهرِ .
عندها فقط أدركت أن أعذب الشعر أصدقه.

فيا من تقرأ، عندما تشعر بقلبك يتمتم بكلمات الحب.. فقم على عجلٍ وارسم حروفها وابعث الروح بين ثناياها لتصل إلى من تحب .. بل إلى عالم فقدنا فيه الاحساس واللين والهدوء والراحة والهدنة والهوادة والقرب .. بل كل الحب
فرفقاً بقلوبكم وابدروا فيها بذور الحب والود ٠

زر الذهاب إلى الأعلى