السيد خلاف يكتب: الموساد ” فضيحة “

في لحظة فارقة من الصراع العربي–الإسرائيلي، تكشف شهادة غير مسبوقة ل “يوسي كوهين” ، المدير السابق لجهاز “الموساد” الإسرائيلي، حجم الدور الذي لعبته مصر في إفشال أخطر مخطط استراتيجي استهدف اقتلاع سكان غزة من أرضهم ودفعهم نحو سيناء تحت غطاء “الهجرة المؤقتة”.
اعتراف” كوهين” لم يسلّط الضوء فقط على موقف القاهرة، بل فضح أيضًا هشاشة المواقف العربية والخليجية، وتردّدها، ومحاولات بعض العواصم التقليل من دور مصر في حماية القضية الفلسطينية.
في كتابه الجديد، يعترف كوهين بأنه المهندس الحقيقي لخطة تهجير 1.5 مليون فلسطيني من القطاع إلى سيناء، في عملية كانت ستغيّر ديمغرافيا غزة بالكامل، وتفتح الباب أمام تصفية نهائية للقضية، ولتمرير الخطة عرضت باعتبارها “مؤقتة”، لكنها بحسب تفاصيل كوهين، كانت تملك كل ملامح التهجير الدائم.
كان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر “الكابنيت” وافق عليها، وأوكل إلى كوهين مهمة التسويق عربياً، والأخطر أنه عرض ضمانات أمريكية وبريطانية ويابانية وصينية وهندية لتجميل المشروع، وكسب تأييد بعض الدول العربية بتعهدات دولية كاذبة.
وبحسب شهادة رئيس الموساد الأسبق، فإن العواصم العربية التي زارها كانت ” قلقة ومترددة” ، تخشى تحويل “النزوح المؤقت” إلى تهجير دائم، ورغم هذا التوجس، لم يعلن أي طرف عربي موقفًا صريحًا وحاسمًا بقدر ما فعلت القاهرة، كان التردد والخوف يلجم ألسنتهم .
ولم تكن هذه الدول عربية فقط ، فهناك دول خليجية ذات نفوذ مالي وسياسي واسع ـ لم ترفض الخطة بشكل قاطع، ولم تقدم موقفًا صلبًا يُسقط المشروع، بعضها اكتفى بالقلق، وبعضها فضّل الانتظار، بينما تعاملت أخرى مع الفكرة ببرود دون حسم.
هذا التردد فتح الباب أمام محاولات إسرائيلية للترويج بأن ” الرجاء العربي” موجود، وأن ما ينقص فقط هو قرار مصري، وفي كواليس عديدة حاولت دوائر إعلامية خليجية التقليل من أهمية موقف القاهرة، أو الادعاء أن “التهجير ليس مطروحًا أصلًا”، بينما كانت إسرائيل تتحرك بنشاط لإتمامه.
وعندما وصل يوسي كوهين إلى القاهرة، اصطدم – وفق اعترافه – بالوحيد القادر على إسقاط الخطة نهائيًا: مصر، الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما يروي كوهين، قطع الطريق على المشروع منذ اللحظة الأولى، ورفضه بشكل مطلق لا يحتمل التأويل، معلنًا أن:
“أي مساس بأرض سيناء أو محاولة تغيير ديمغرافيا غزة خط أحمر لن تسمح به مصر”.
هذا الموقف لم يكن مجرد رد دبلوماسي. كان إعلانًا صريحًا أن مصر لن تقبل بأي شكل من أشكال تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأمن القومي المصري، وأن حدودها وهويتها الوطنية ليست مطروحة للمساومة مهما كانت الضغوط الدولية أو الإغراءات الغربية.
الاعتراف الأهم في شهادة كوهين أن مصر وحدها هي التي أسقطت الخطة بالكامل، فبعد الرفض المصري القاطع، أدركت إسرائيل أن تمرير المشروع بات مستحيلاً، لأن سيناء كانت الهدف الرئيسي، ومصر هي الدولة الوحيدة القادرة على غلق الباب أو فتحه.
كانت الدول الخليجية ترقص بالسيوف وهي تستقبل ترامب بالخليجيات وتضخ التريليونات في حقائب ترامب ، والسيسي في قمة بغداد يعلن رفضه أمام العالم ويتحدى مطالب كل الدول بفتح المعبر لتهجيرالفلسطينيين ، ويكرر التحدي مع الدولة التي تحكم العالم ، ويرفض دعوات دونالد ترامب لزيارة البيت الأبيض ، وتنجح مصر في فرض إرادتها وتغيير المعادلة
يقول كوهين صراحة إن الموقف المصري كان “عاملًا حاسمًا” وأن إسقاط الخطة جاء “بعد إدراك استحالة تنفيذها دون موافقة القاهرة”، ورغم أن شهادة الموساد حسمت الرواية، إلا أن بعض الدوائر الخليجية تروّج روايات تحاول التقليل من موقف مصر، أو الادعاء بأن “الخطة الإسرائيلية لم تكن جدية” !!
لكن شهادة كوهين نسفت كل هذه السرديات، وكشفت الحقيقة كما هي، وهي أن الموقف المصري كان الأقوى والأوضح والأكثر تأثيرًا، وهو وحده الذي أنهى الخطة قبل أن تبدأ.
مصر تعيد صياغة معادلة القوة في الإقليم ، وهي لا تملك خزائن الأموال كما الآخرين، وإنما تملك إرادة حرة مستقلة وجيش لا يعرف إلا النصر، ورئيس لايعرف إلا القوة في الحق ولا يخاف إلا الله.
المخطط الذي كشفه كوهين يُعد من أخطر ما واجهته القضية الفلسطينية منذ عقود. لكن سقوطه كشف من جديد أن مصر – رغم كل الضغوط – لا تزال اللاعب العربي الأقدر على تغيير قواعد اللعبة، وحماية الأمن القومي للمنطقة، وإسقاط المشاريع التي تهدد الهوية الفلسطينية والجغرافيا العربية.
في وقت تباينت فيه المواقف العربية وترددت فيه بعض العواصم الخليجية، وقفت مصر وحدها لتقول الكلمة الفصل:
سيناء ليست للبيع، وغزة ليست مطروحة للهجرة، والقضية الفلسطينية ليست سلعة في بازار السياسة.
مصر تثبت مرة أخرى أن دورها لا يحتاج إلى بروباغندا، ولا إلى ضجيج إعلامي ، فالقوة الحقيقية تُثبت نفسها من خلال الواقع، لا عبر تريليونات الحماية .










