مقالات الرأى

مايسة السلكاوى تكتب – (قامات مصرية) د. عزيز صدقى – 14

0:00

مثال للشاب المصرى المتعلم والمثقف والطموح ،استطاع وهو فى سن صغيرة أن يتحمل مسؤلية إنشاء وزارة جديدة للصناعة ، واستطاع بهمته وإصراره على النجاح إن يحقق نهضة كبرى فى الصناعة المصرية خلال فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضى ، أنشأ المئات من المصانع ،وأدخل الصناعات الثقيلة أهمها الحديد والصلب ، وفى عهده تم إنتاج أول سيارة مصرية ليطلق عليه الشعب المصرى لقب “أبو الصناعة المصرية الحديثة ” ، كان له دوره المهم فى إعداد البلاد لحرب أكتوبر 1973م ، وأخيرا هاجم وبشراسة سياسة الخصخصة .
ولد عزيز صدقى بالقاهرة 1920م لأسرة ميسورة فكان والده طبيبا مدير المستشفيات العامة بوزارة الصحة . تخرج فى كلية الهندسة جامعة فؤاد الأول “القاهرة” قسم العمارة 1944م ، حصل على الدكتوراة فى التخطيط الإقليمى والتصنيع من جامعة هارفارد الأمريكية 1950م ،وعند عودته إلى مصر عمل مدرسا بكلية الهندسة 1951م . وبعد قيام ثورة 1952م عين د. عزيز صدقى مستشارا فنيا لرئيس مجلس الوزراء 1953م ومديرا عاما لمشروع مديرية التحرير .
كانت وزارة الصناعة وقد أنشيت 1934م تسمى مصلحة التجارة والصناعة وتابعة لوزارة المالية ، وفى عام 1956م أراد الرئيس جمال عبد الناصر إنشاء وزارة مستقلة للصناعة للإهتمام بإنتاج الكهرباء والتوسع فى استخراج البترول وتأسيس مصانع الحديد والصلب لخدمة المشاريع الجديدة والشركات الكبرى للنهوض بمصر ، فاختار الدكتور عزيز صدقى ليكون أول وزيرا للصناعة وكان عمره 36 سنة . وفى 1964م عين مستشارا لرئيس الجمهورية للإنتاج ،ثم عين وزيرا للصناعة والثروة المعدنية 1968م ، وفى العام التالى أصبح عضوا بمجلس الأمة ، وفى 1970م عضوا بالمجلس الأعلى للدفاع المدنى ، وفى 1972م عضوا باللجنة العليا للإعداد للمعركة ، وفى العام نفسه عينه الرئيس السادات رئيسا للوزراء ثم مساعدا لرئيس الجمهورية1973 م .
يعد الدكتور عزيز صدقى من أهم الوزراء فى تاريخ مصر فكان له الفضل فى تشييد أكبر قلعة صناعية فى تاريخنا الحديث ، وعارض بضراوة كل التدخلات الخارجية التى ارادت أن تستمر مصر بلدا زراعيا فقط ليس له علاقة بالصناعة لإيمانه بأن الصناعة ضرورة حتمية للمجتمع الذى يريد النهوض ، فالإعتماد على الإستيراد يعنى أن قرارنا لن يكون حرا ، ولذلك لابد وأن ننتج وأن نصنع .
كان إختياره لتأسيس وزارة الصناعة وتوليه مسؤليتها نابعا من اقتناع عبد الناصر بقدراته العلمية والتى سبق اختبارها عند توليه المناصب السابقة ومنها المجلس الأعلى للإنتاج فقد شغل هذا المنصب فى الوزارة التى ترأسها جمال عبد الناصر بعد إلغاء مجلس قيادة الثورة الذى تولى أعضاؤه معظم الوزارات ما عدا ثلاثة وزاراء من خارجه وهم مصطفى خليل وزيرا للإتصالات وسيد مرعى للزراعة وعزيز صدقى للصناعة .
كانت الخطوة الأولى التى اتخدها صدقى لتأسيس وزارة الصناعة ، وضع برنامج التصنيع عام 1957م وكان مشرفا على تنفيذه ، وتم تخصيص 12 مليون جنية لهذا البرنامج كأول ميزانية للتصنيع ،يهدف البرنامج إلى حماية المستهلك من المحتكرين وأعطى للدولة حق التسعير بمعنى أن يحسب تكاليف المنتج ويحدد سعر بيعه حتى لا يستغل صاحب المصنع احتياجات السوق لمنتجه .
فى يوليو 1958م تم إفتتاح مصنع الحديد والصلب ،وفى العام التالى تم إنتاج أول سيارة مصنوعة فى مصر ” سيارة رمسيس” وللأسف تضاءل انتاجها لأسباب فنية وإقتصادية فاستحوذت عليها شركة فولكس فاجن الألمانية 1969م . توسع صدقى فى مجال الصناعة فأنشأ مئآت المصانع وعمل على تقوية الصناعات القائمة مثل الغزل والنسيج ، ووضع لبنات الصناعات الثقيلة منها المراجل البخارية والكابلات والقطارات كما أنشأ المصانع الحربية لمد الجيش بالسلاح والذخيرة ، وأنشئت فى عهده صناعات الثلاجات الكهربائية وأجهزة البوتاجاز ومصنع الورق بالإضافة للصناعات الغذائية بإنشاء مصانع قها وإدفينا .
كان للدكتور عزيز صديقى رئيس الوزراء فى تلك الفترة دورا مهما فى تجهيز الدولة لدخول الحرب ، وكانت الدولة تعيش فى ظل حصار اقتصادى ، فالوضع الإقتصادى بشكل عام سيئا ، فطلب منه السادات إعداد الدولة اقتصاديا للحرب وذلك لانه فور بدء الحرب لن نستطيع شراء أى شئ من الخارج وقد يستمر ذلك شهرا أو اثنين أو ثلاثة ، مما يؤكد حتمية توفير احتياجات البلد كاملة من الداخل ، وبالدراسة تم التوصل إلى أن ننتج بما يجعلنا نستمر فى الإعتماد على أنفسنا لمدة أربعة أشهر دون استيراد حتى ولو شمعة من الخارج ، ولكن المهم أن يتم كل هذا دون أن يشعر الشعب بأى شئ ولم تكن هناك بطاقة أو طابور ، كانت الخطة الموضوعة هى الإعتماد على طاقتنا المحلية فى توفير الإحتياجات وتوفير مخزون استراتيجى للسلع بالشكل الذى أدخلنا الحرب وخرجنا منها دون حدوث أى أزمات وبهذا تحقق “الأمن الإقتصادى ” فالقوة الإقتصادية يكملها القوة السياسية إعتمادا على القدرة الذاتية .
وفى آخر حديث للدكتور عزيز صدقى قبل وفاته عام 2008م أكد على أن الاعتماد على الذات ليس صعبا فإن ذلك ما تفعله الدول فى كل مكان وزمان ، وما وصلنا إليه الآن اسبابه كثيرة ، فى مقدمتها الاعتماد على الخارج و أن حصيلتنا من العملة الصعبة التى تأتى من التصدير وخلافة أقل من الوارد ، وعلاج هذه المشكلة لا يأتى إلا بالإعتماد على الذات . الدول الكبرى اعتمدت أولا على الذات ثم انطلقت ، مما يستلزم اتخاذ إجراءات حازمة منها عدم إهدار الأموال فى سلع ترفيهية تستنفذ العملة الصعبة .
كما شن هجوما كبيرا على الخصخصة ، وإن كان مؤيدا لتشجيع القطاع الخاص للعمل فى الصناعة ، فقال كان على الدولة الاستفادة من المصانع القائمة وإصلاحها لإعادة تشغيلها بدلا من بيعها .
حصل الدكتور عزيز صدقى على ميدالية الصناعة عام 1982م وعلى قلادة النيل عام 1983م فى عيد العمال ، وتوفى فى باريس 25 يناير 2008م .

زر الذهاب إلى الأعلى