عبد المعطى أحمد يكتب: الأعياد فى الاسلام

فلسفة الأعياد فى الاسلام تؤكد أنه ليس دينا جامدا كئيبا, بل هو دين تقصد شريعته صناعة الفرح والبهجة والسرور, وهذا ما أكده الواقع العملى للنبى صلى الله عليه وسلم , فتذكر كتب السنن أن الفاروق عمر دخل مسجد النبى, فوجد قوما من أهل الحبشة يلعبون ويرقصون بحرابهم, فزجرهم, فقال النبى : “دعهم ياعمر” أى اتركهم وشأنهم, ثم التفت إليهم النبى وقال: دونكم أى تابعوا اللعب حتى يعلم اليهود والنصارى أن فى ديننا فسحة.
فالأعياد فى الاسلام فسحة, مرتبطة بعبادة وطاعة الله لابمعصيته, فعيد الفطر – كما يقول الدكتور نظير عياد مفتى الجمهورية- يأتى بعد صبر المسلمين , وتحملهم مشقة الامساك عن الطعام والشراب بالصيام فى رمضان, فكانت المكافأة الإلهية بفرحة عاجلة يوم عيد الفطر, وفرحة آجلة عند الله, قال صلى الله عليه وسلم: ” للصائم فرحتان فرحة حين يفطر, وفرحة حين يلقى ربه”.
وعيد الأضحى يأتى بعد الفراغ من معظم أركان فريضة الحج, هذا المشهد الروحى العظيم الذى هو ركن من أركان الاسلام, وفرض بالكفاية على جموع المسلمين فى العالم, كما يأتى بعد انتهاء المسلمين – من غير الحجيج – من التعبد لله بالصيام, والذكر فى التسع الأوائل من شهرذى الحجة, فعيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما, وهو مترتب على إكمال الحج , وهو الركن الخامس من أركان الاسلام ومبانيه , فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم, وإنما يكمل الحج بيوم عرفة, والوقوف بعرفة, فإنه ركن الحج الأعظم , فكلا العيدين شكر لله على تيسير الطاعات, وليس أعيادا للاحتفال بتمجيد الأحساب والأنساب, ولاإحياء لصرعات ونعرات الجاهلية.
والأعياد فى الاسلام فسحة عادلة, يتساوى فيها الأغنياء مع الفقراء, عن طريق نظام شرعى للتكافل الاجتماعى بين المسلمين, إذ يجب على المسلمين جميعا قبل خروجهم لصلاة عيد الفطر أن يكفوا الفقراء حاجة السؤال هذا اليوم عن طريق زكاة الفطر, قال صلى الله عليه وسلم: ” أغنوهم فى هذا اليوم ” , يعنى ارفعوا عنهم مذلة الحاجة والسؤال, ليسعدوا بفسحة كالتى تسعدون بها, أما عيد الأضحى فشرع فيه الاسلام ذبح الأضاحى, وأمر المسلمين بإطعام الفقراء منها قال تعالى: “ليشهدوا منافع لهم ويذكروا إسم الله فى أيام معلومات على مارزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير”, وقال صلى الله عليه وسلم : “كلوا وادخروا وتصدقوا”, فالفقير والغنى يأكلان من نفس الأضحية التى أمر النبى أن تكون من أجود بهائم الأنعام.
كل من لم يحظ بشرف الحج هذا العام دعا الله الخالق المانح الوهاب أن يحظى بالحج فى العام القادم, وأن يمنحه الله الفرصة لرؤية الكعبة, والطواف والحلق والتقصير والفدو, وزيارة المدينة المنورة, والاقتراب من قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقراءة الفاتحة للصحابة رواد الاسلام الأوائل, ترحما على ماتكبدوه من مشقة الدعوة لدين الله وحمل رسالته وحفظه, وفى هذه الأيام الطاهرة يتوحد كل المسلمين من شتى بقاع الأرض, يدعون ربهم بالطاعة والغفران, جاءوا شعثا غبرا يرجون رحمة ربهم, ويخشون عذابه, ولابد أن نتخذ من هذه المناسبة عظة وعبرة, وأن نحولها إلى برنامج عملى للاصطفاف الوطنى خلف هدف واحد, وهو رفعة هذا الوطن, وعلو شأنه وتعويضه عما فاته من قوة ومجد وتأثير, ولابد أن يعود نسيج الوطن أقوى من كل ماكان, لأنه لايمكن لهذا الوطن أن ينطلق إلا باصطفاف كل أبنائه, وتوحدهم بكل فئاتهم وطبقاتهم ودياناتهم وألوانهم وطباعهم ومشاربهم خلف هدف واحد, وهو الصالح العام لهذا الوطن , وليس المصالح الخاصة أو الفئوية أو الطائفية أو العشائرية أو الطبقية , وفى هذه الأيام الطاهرة ندعو الله لهذا الوطن بالتمكين فى الأرض, وأن يصبح قوة مؤثرة فاعلة يحسب لها مليون حساب فى محيطنا العربى والأفريقى والاسلامى والشرق أوسطى والعالم أجمع, وفى هذه الأيام الطاهرة أيضا نستلهم روح العيد, للمزيد من العمل والانتاج, ونودع التواكل والاستهتار, فنقتلع من حياتنا كل القيم الشريرة والعادات السيئة ,ونخلع عن أرواحنا آثام الفتنة والنميمة وجلسات التآمر والخيانة والخداع, ونمسك بكل قوة بكل الخيوط المستقيمة, وإن اهم مافى هذه الأيام الطاهرة أن يعود الانسان إلى ربه, وإلى ضميره, وإلى وطنه, وأن يستلهم من طهر هذه الأيام ذخيرة تحصنه من كل الآثام, وتقربه من الله وصالح الوطن فيما هو قادم, وأقصر طريق هو الاستقامة والاصطفاف الوطنى, فالله تعالى يقول: “وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الاثم والعدوان “.
فى الأعياد طقوس تختلف عن طقوس أى مناسبات أخرى , حيث يخرج الكبار والصغار إلى الحدائق والمتنزهات, يمرحون ويلعبون وتعم البهجة والسعادة على المجتمع, وما أجمل الأعياد فى الاسلام, وما أحلى وأسمى الاحتفال بها , فأى دين عظيم هذا الذى يكون الاحتفال بأعياده صلاة وتكبير وزكاة, وصدقات وصلة رحم, إن هذا هو مفهوم الاحتفال بالأعياد فى الاسلام, وليس الأمر مرتبطا بالعبادات فقط, ولكن أيضا باللهو المباح , والمباح هنا معناه ألا يتضمن الاحتفال بالعيد أى شىء يخالف صميم الدين, إن عيد الأضحى يرتبط بذكرى رؤيا سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء المرتبطة بالأمر الالهى له بذبح إبنه إسسماعيل, ومن هنا جاء الاحتفال بهذا العيد بذبح الأضاحى, وتوزيع لحومها على الفقراء, كما يرتبط عيد الأضحى بأداء فريضة الحج لمن استطاع إليه سبيلا, ويوم العيد هو اليوم السعيد الذى نلتقى فيه ونتزاور, وتستيقظ فيه الروابط الانسانية, ويتخلص الجميع من حالة الفرقة والانقسام, فأبرز مانستلهمه فى الاحتفال بهذه المناسبة الجليلة, هو إشاعة الترابط والتراحم فيما بيننا, وعطف القوى على الضعيف, ورعاية ذوى القربى واليتامى والمساكين, وزيارة الجار, والمحافظة على الحرمات من نفس ومال , وما أحوجنا فى هذه اللحظة إلى التفكير والتأمل وقراءة حال الأمة, لكى نتدارك مايجرى من أحداث , وتستيقظ القوى النورانية فى نفوس المؤمنين الصادقينو وتكتمل قوة اليقين المرتبط بجوهر هذا الدين الحنيف, ونكشف الستار عن مكامن أسراره, فتتغير الصورة المغلوطة التى يحاول أن يلصقها به الآخرون , وإذا بدأنا فى إزاحة هذه الصورة فسوف تتحد كل القوى على الخير, وسيعم السلام بين الجميع , فالأساس الذى يقوم عليه الاسلام هو وحدة المسلمين وتآخيهم وتضامنهم, وتغليب جوهر الاسلام على مابينهم من فروق ومذاهب, ويجب علينا فى هذه المناسبة العظيمة أن نعمل على لم الشمل, والتعاون والتراحم والتعاطف فيما بيننا, كى نعيش جميعا فى سعادة ورخاء.إن عيد الأضحى رمز الفداء والسلام والصبر والطاعة والامتثال لله وحده فى كل أوامره, واجتناب نواهيه, فلقاء الأهل والأصدقاء وتبادل الفرحة والتهانى بالعيد يعد تحررا من قيود الروتين اليومى الذى يستغرق الانسان على مدى شهور عديدة , فينطلق فى مرح وبهجة , مستمتعا بمكافأة النفس على مشاركتها الوجدانية للحجاج فى عيد الأضحى .إن العيد محطة من محطات ارتياح النفس والروح التى لاتتحقق فيها السعادة للفرد, دون قضائه هذه المناسبة وسط جماعته التى ينتمى إليها من الأقارب والجيران وباقى أفراد المجتمع, ففى العيد تثبت روح الجماعة والتوحد, ومد جسور السلام مع الآخرين, والتجاوز فى الوقت نفسه عن هفواتهم وأخطائهم.









