
لطالما ساهم عيد النوروز، باعتباره احتفالاً بالوحدة وإحياء الطبيعة، في الحد من النزاعات ونشر السلام في العالم. وفي القرن الحادي والعشرين، يمكن لعقد مؤتمرات مشتركة بمناسبة عيد النوروز والاحتفال به بكل طقوسه بين الدول أن يساعد في تقريب الدول التي تعاني من مشاكل سياسية ونزاعات إقليمية.
لا يقتصر عيد النوروز على كونه احتفالاً خاصاً بأمة أو منطقة واحدة، بل هو ظاهرة ثقافية دولية هامة. يلعب الجانب الثقافي للنوروز دوراً محورياً في تطوير وتعزيز العلاقات الدبلوماسية، والسلام، والتكامل الإقليمي. يُعدّ النوروز قوة موحدة للشعوب والأمم والحضارات، وكما ذكرنا سابقاً، فهو ليس مجرد احتفال تقليدي لشعب أو أمة، بل يحظى اليوم بمكانة دولية ويُحتفل به في معظم دول العالم. إن الاحتفال به على نطاق عالمي لا يُسهم فقط في الحفاظ على قيم الثقافة العريقة، بل يُعزز أيضاً التعاون الدولي ويُوسعه.
ساهم عيد النوروز، كعيدٍ مشترك، في تعزيز الصداقة والتعاون بين الدول ضمن نطاقه الثقافي، تاريخيًا وحاضرًا، وكان دائمًا عاملًا موحدًا لشعوب العالم. يمتد تاريخ النوروز الثقافي، كظاهرة ثقافية مشتركة، لآلاف السنين، إلا أنه حظي باعتراف دولي رسمي عام ٢٠١٠. ويشمل نطاق النوروز الدول والمناطق التي تحتفل به كتقليدٍ عريق وعيدٍ وطني رسمي. تجمع هذه الدول تاريخٌ وثقافةٌ مشتركة، وتحتفل بالنوروز كعيدٍ لإحياء الطبيعة وتجديدها، ونشر الخير والتضامن والسلام. ويضم نطاق النوروز الثقافي طاجيكستان، وإيران، وأوزبكستان، وأفغانستان، وأذربيجان، وقيرغيزستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وتركيا، وباكستان، والهند (وخاصةً منطقة كشمير)، والصين (في منطقة الأويغور)، والعراق (في المنطقة الكردية).
تروج حكومة جمهورية طاجيكستان لعيد النوروز باعتباره قوة دافعة للتنمية وتعزيز التعاون الإقليمي، ورمزاً للصداقة والسلام بين الشعوب. وتضطلع طاجيكستان بدور ريادي في المجال الثقافي للنوروز، وبصفتها جمهورية ذات تاريخ عريق وغني، فإنها تُسهم إسهاماً كبيراً في الاحتفال بهذا العيد بهدف تطوير التراث الثقافي للنوروز، وتوسيع نطاق التعاون الدولي، وإبراز القيم الوطنية.
أصدر رئيس جمهورية طاجيكستان، إمام علي رحمون، في رسالته إلى مجلس النواب في جمهورية طاجيكستان “حول التوجهات الرئيسية للسياسة الداخلية والخارجية” بتاريخ 16 ديسمبر 2025، تعليماته لمسؤولي الدوائر الحكومية والمؤسسات بإنشاء المركز الدولي لعيد النوروز، والذي يعد أحد المبادرات المهمة في الحفاظ على الذاكرة التاريخية لشعوب العرق الآري.
يُضفي إنشاء هذا المركز على عيد النوروز بُعدًا يتجاوز كونه مجرد عيد تقليدي، ويمنحه مكانة مؤسسة ثقافية وحضارية. وكما صرّح قائد الأمة، إمام علي رحمون، فإن “النوروز ليس مجرد عيد شعبي، بل هو فلسفة خالدة، تجسّد قيم الإنسانية، وروابط الأجيال، والإرث الروحي لآلاف السنين”. وبهذا المعنى، لا يعرف النوروز حدودًا، ولا يرتبط بأي دين أو طائفة. لذا، يُمكن تسميته “احتفالًا بالإنسانية” أو “احتفالًا بالإنسان والطبيعة”، لأنه يُمثّل تجسيدًا للحكمة الإنسانية العميقة وفهمًا دقيقًا للعلاقة بين الإنسان والبيئة.
باختصار، يُمكن أن يُشكّل إنشاء مركز نوروز الدولي في الدول التي تحتفل بنوروز أو الواقعة ضمن حوضه الثقافي أداةً فعّالة للتعاون ورمزًا جامعًا للحضارة الإنسانية. ووفقًا للباحثين، إذا ما حقق المركز هذا الهدف، فسيُصبح ساحةً للحوارات الدبلوماسية والمؤتمرات العامة ومكانًا لإقامة فعاليات نوروز. وهذا ليس توجهًا سيئًا، إلا أن تأثيره في عالمٍ مُنقسمٍ بفعل القوة والاقتصاد والتكنولوجيا سيُحدّ من أهداف المركز وغاياته. مع ذلك، إذا ما تبلور مركز نوروز الدولي كأداةٍ حقيقية للتعاون بين دول حوض نوروز الثقافي، فإنه سيُصبح عنصرًا فاعلًا في السياسة الإقليمية.
في المستقبل القريب، قد يتحول المركز الدولي لنوروز إلى مركز تنسيق إقليمي. وقد أدى غياب مثل هذا المركز إلى عدم تبلور نوروز كقوة تنسيقية بين دول حوض نوروز. ويهدف هذا المركز، في ظل الظروف الراهنة، إلى منح نوروز قوة تنسيقية، وتكوين هوية مشتركة، وجعله محورًا للتعاون. كما سيساعد دول حوض نوروز الثقافي على اتخاذ موقف موحد بشأن القضايا الدولية. ينبغي أن يمتلك هذا المركز كافة الإمكانيات وأن يتحمل مسؤولية التوحيد والتعبئة. وهناك تجارب مماثلة في دول أخرى حول العالم ساهمت في تعزيز ثقافتها وحضارتها، لا سيما في جمهورية الصين الشعبية (مركز كونفوشيوس)، وفرنسا (الفرانكوفونية)، وألمانيا (مركز غوته)، وإسبانيا (معهد سرفانتس)، وغيرها. وقد اضطلعت هذه المراكز والمعاهد بمهمة بالغة الأهمية في ظروف صعبة، وساهمت في تعزيز ثقافة الشعوب وروحانيتها.
إن جوهر المبادرة لإنشاء المركز الدولي لعيد النوروز في جمهورية طاجيكستان هو نقله إلى ما هو أبعد من نطاق الاحتفال التقليدي، وفي العقد المقبل، رفعه إلى مستوى مؤسسة نشطة وهيئة تنسيق للعلاقات الثقافية والدبلوماسية.
يتمتع عيد النوروز بقوة ناعمة، ويمكن أن يكون وسيلة لتعزيز الثقة والتعاون الثقافي، وخلق بيئة مواتية للتعاون. وتُثبت التجارب الدولية أن المؤسسات الثقافية وسيلة فعّالة لحماية المصالح الوطنية في ظل المنافسة غير العادلة. وفي هذا السياق، يمكن لمركز النوروز الدولي أن يصبح مركزًا لتنسيق السياسة الثقافية لدول حوض النوروز، ومركزًا لتطوير برامج علمية وبحثية مشتركة، ومركزًا لتبادل الشباب، وتنمية السياحة الثقافية، وعرض القيم الحضارية المشتركة. لذا، نقترح أن يكون للمركز هيكل إدارة مشترك بمشاركة ممثلين عن دول حوض النوروز، وذلك لوضع برامج طويلة الأجل، وتوفير آليات تنسيق شفافة.
بشكل عام، يُمكن أن يُسهم إنشاء المركز الدولي لنوروز في تعزيز الهوية الثقافية المشتركة، وتوسيع التكامل الإقليمي، وتكوين موقف متماسك بشأن القضايا الدولية. وتعتمد فعالية هذا المركز على المستوى المؤسسي، والاستقلالية المهنية، والقدرة على تحويل نوروز من رمز ثقافي إلى محور للتعاون. ونظرًا لأن هذه المبادرة قد انطلقت من جمهورية طاجيكستان، يُمكن القول بثقة أن هذا المركز سيحقق أهدافه









