منوعات وسوشيال

سرقة 230 ألف شمس.. “درب التبانة” تبتلع جيرانها

0:00

تعرف علميا “العناقيد النجمية الكروية” بأنها حفريات كونية قديمة ومترابطة بإحكام تعود لبدايات مجرة درب التبانة، وكان الاعتقاد السائد لسنوات طويلة أن هذه الكرات الكثيفة من النجوم قد صمدت وبقيت دون تغيير يذكر لمليارات السنين، إلا أن الملاحظات الفلكية الجديدة تشير إلى أن بعضها على الأقل بعيد كل البعد عن الاستقرار؛ حيث رصد علماء الفلك الآن أحد هذه العناقيد، المعروف باسم “إن جي سي 6569” ، وهو يفقد نجومه بنشاط لصالح الانتفاخ المركزي لمجرة درب التبانة.

وباستخدام “بصمات نجمية” مفصلة ودقيقة، كشفت الدراسة المنشورة في دورية “الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية” (MNRAS)، أن هذا العنقود الذي يبلغ عمره حوالي 13 مليار عام يتم تفكيكه ببطء بفعل جاذبية المجرة الهائلة، مما يغذي النجوم في منطقة الانتفاخ المحيطة بمعدل قابل للقياس.

وقد صرح مؤلفو الدراسة المنتمون لـ جامعة بولونيا الإيطالية بالتعاون مع فريق دولي، بأنهم أجروا أول مسح طيفي واسع المجال ومتوسط الدقة لهذا العنقود، موضحين أن نتائجهم توفر أدلة قاطعة على أن العنقود يفقد نجومه بنشاط من خلال عملية التجريد المدّي، وهو ما يعد دليلاً نادراً ومباشراً على كيفية تحلل هذه العناقيد بمرور الوقت وإعادة تشكيل المجموعات النجمية في مجرتنا.

يقع العنقود “إن جي سي 6569” على بعد حوالي 35,500 سنة ضوئية من كوكب الأرض، وتحديداً في أعماق الانتفاخ المركزي المزدحم لمجرة درب التبانة، وهي منطقة يكتظ فيها ملايين النجوم في مساحة ضيقة للغاية.

ويتميز هذا العنقود بكتلة كونية مهولة تعادل حوالي 230,000 مرة كتلة شمسنا، وهو مقياس فلكي يعبر عن حجم المادة النجمية الضخمة التي يضمها العنقود بين جنباته، كما يحتوي على نجوم غنية بالعناصر الثقيلة مقارنة بالعديد من العناقيد الكروية الأخرى.

وتكمن صعوبة دراسة هذه العناقيد في أن منطقة الانتفاخ تعج بالنجوم، مما يجعل التمييز بين النجوم التابعة للعنقود والنجوم العابرة أمراً معقداً للغاية، وللتغلب على هذا العائق، استعان الباحثون بـ تلسكوب “أنجلو-أسترالي” (AAT) الموجود في مرصد “سيدينج سبرينج” بأستراليا، وذلك كجزء من “مسح النجوم خارج المدّي لانتفاخ درب التبانة” .

بهدف فهم الآلية التي تتفكك بها العناقيد الكروية ببطء تحت تأثير قوى الجاذبية القوية بالقرب من قلب المجرة، حيث جمع الفريق بيانات طيفية لـ 303 نجوم، مما سمح لهم بتحديد التركيب الكيميائي وسرعة حركة النجوم بدقة، ومن ثم التعرف على النجوم التي كانت تنتمي للعنقود وتنجرف الآن بعيداً عنه.

بفضل هذا النهج العلمي، تمكن علماء الفلك من تحديد 40 نجماً تقع خارج الجسم الرئيسي للعنقود بمسافات تتراوح بين 7 و30 دقيقة قوسية من مركزه، وتتشارك هذه النجوم نفس السمات الكيميائية والحركية لعنقود “إن جي سي 6569″، مما يثبت أنها حطام مدّي حقيقي سُحب من العنقود بواسطة قوى الجاذبية المجرية، بل إن خمسة من هذه النجوم شكلت ما يشبه الهالة الخافتة من الحطام المحيطة بالعنقود.

وعند مقارنة النجوم التي لا تزال مرتبطة بالعنقود بالنجوم الميدانية المحيطة، وجد الفريق أن حوالي 35% من النجوم القريبة تشارك العنقود حركته، ما يوحي بأن العنقود يتحرك الآن وسط سحابة من مواده الخاصة التي سُلبت منه، وبالاعتماد على النمذجة الديناميكية، قدر الباحثون أن العنقود يفقد مادة نجمية تعادل كتلة شمس إلى شمس ونصف كل مليون سنة، وهو ما يتراكم ليصل إلى خسارة نحو 5.6% من إجمالي كتلته الشمسية الضخمة على مدار المليار سنة الماضية.

تكمن أهمية هذه النتائج في كونها تساعد على حل لغز فلكي قديم، حيث كانت النماذج النظرية تتوقع دائماً أن العناقيد الكروية القريبة من المركز المجري ستفقد معظم كتلتها بمرور الوقت، لكن الأدلة الرصدية الواضحة كانت نادرة وصعبة المنال بسبب الازدحام النجمي الكثيف والغبار الكوني، وتثبت هذه الدراسة أن التجريد المدّي ليس مجرد فرضية بل هو عملية نشطة تساهم في بناء انتفاخ درب التبانة عبر “التبرع” المستمر بالنجوم من العناقيد الكروية.

ورغم نجاح الدراسة، يظل هناك حاجة لمزيد من الأبحاث للتأكد من فرضية تحرك العنقود عبر “أنبوب” من حطامه المدي باستخدام محاكاة حاسوبية معقدة، ويخطط الباحثون لتوسيع هذا النهج ليشمل عناقيد أخرى في منطقة الانتفاخ لبناء صورة شاملة حول عدد العناقيد التي تذوب ببطء، ومدى مساهمة هذه الأنظمة القديمة في تكوين المجموعات النجمية المركزية لمجرة درب التبانة.

زر الذهاب إلى الأعلى