مقالات الرأى

د. باسم المذحجي يكتب: اليمن خارج الصندوق – التشريعات الخطرة واستراتيجيات التفكيك العسكرية والغير العسكرية

تتتبع هذه المادة مسارين متوازيين: المسار الأول يوثق كيف أعادت جماعة الحوثي عبر برلمان صنعاء المختطف الخاضع لها صياغة هوية الدولة اليمنية تشريعيًا لتكريس سلطة سلالية وأمنية مطلقة. والمسار الثاني يقدم خمس استراتيجيات نوعية خارج إطار الحرب التقليدية قادرة على إحداث إرباك فوري وشل منظومة الحوثي المالية والمعلوماتية والاجتماعية. المادة تخلص إلى أن المعركة القادمة ليست عسكرية فقط، بل معركة تشريع، وبيانات، وسيولة، واتصال.

المحور الأول: التشريعات الخطيرة التي مررها برلمان صنعاء – تفكيك الجمهورية بالقانون.

أجرت الجماعة عبر نواب البرلمان المخطتفين الخاضعين لسيطرتها في صنعاء سلسلة تعديلات جوهرية لإعادة صياغة هوية الدولة.

1. تعديل قانون السلطة القضائية – سبتمبر 2024 – أخطر اختراق دستوري:
المضمون: تعديل القانون رقم (1) لسنة 1991، منح رئيس ما يسمى المجلس السياسي الأعلى حق تعيين وعزل القضاة من خارج السلك القضائي، إحلال فقهاء وحوزويين بدلًا من خريجي المعهد العالي للقضاء وكليات الشريعة والقانون.
الخطورة: إلغاء كامل لمبدأ الفصل بين السلطات، تحويل القضاء إلى أداة أمنية لتصفية المعارضين ومصادرة ممتلكاتهم بغطاء قانوني.

2. قانون حظر المعاملات الربوية – مارس 2023:
المضمون: منع كامل للفوائد البنكية في كل المعاملات المدنية والتجارية والمصرفية.
الخطورة: شلل تام في القطاع المصرفي في مناطق سيطرتهم، عجز البنوك عن دفع أرباح المودعين، مصادرة فوائد الدين العام الداخلي، تدمير ثقة المستثمرين وتعميق الانهيار المالي.

3. تعديل قانون الزكاة وتشريع الخُمس – التمييز السلالي المقنن:
المضمون: فصل الزكاة عن وزارة الإدارة المحلية وتأسيس هيئة عامة للزكاة تابعة لهم مباشرة، وإقرار لائحة تنفيذية تشرعن جباية الخُمس 20% من الثروات الطبيعية – النفط والغاز والمعادن والأسماك والركاز ” مال مدفون من غير مسلمين”- لصالح أسر محددة بني هاشم.
الخطورة: تكريس تمييز طبقي وسلالي في صلب قوانين الدولة، مصادم لمبدأ المواطنة المتساوية الذي قامت عليه الجمهورية.

4. قانون جرم الاعتراف بالعدو والتطبيع – ديسمبر 2023:
المضمون: القانون رقم (4) لسنة 1445هـ يجرم الاعتراف بإسرائيل أو التطبيع.
الخطورة: الصياغة الفضفاضة استخدمت لملاحقة المعارضين والصحفيين والناشطين بتهم العمالة والخيانة العظمى وتبرير إعدامهم ومصادرة أموالهم.كماهو حاصل مع موظفي المنظمات الدولية العاملة في اليمن والسفارات.

5. حزمة الضرائب والجمارك والتجارة – شرعنة النهب:
المضمون: تعديل قانون الضريبة العامة على المبيعات، وضرائب الدخل، وقانون الشركة الوطنية للتعدين.
الخطورة: شرعنة الجبايات والاتاوات تحت مسمى المجهود الحربي، منح غطاء قانوني لإنشاء شركات احتكارية تابعة للجماعة وتأميم قطاع الاتصالات والتجارة.

المحور الثاني: التشريعات المرتقبة – الجمهورية على المحك

1. إلغاء القوانين المدنية وإحلال قوانين سلالية:
– قانون الأحوال الشخصية: تعديل الزواج والطلاق والميراث والولاية بما يتوافق مع المذهب الجارودي، فرض قيود أشد على النساء وتكريس الولاية الدينية.
– قانون الجرائم والعقوبات: إدخال عقوبات تعزيرية مشددة وتهم جديدة مثل التشكيك في الجبهة الداخلية وموالاة العدوان لتوفير غطاء قانوني للتصفية الفكرية.

2. سحب ما تبقى من صلاحيات البرلمان لصالح المجلس السياسي الأعلى الانقلابي:
منح وزير المالية ورئيس المجلس صلاحيات إصدار قرارات جباية وضرائب وميزانية دون العودة للبرلمان، وتقليص دور لجنة الحسابات الختامية لمنع كشف مصير الإيرادات.

3. قانون الإعلام الموحد الرقمي والمرئي:
تشديد الرقابة على منصات التواصل، ملاحقة صناع المحتوى تحت بند مكافحة الشائعات والحرب الناعمة، مأسسة القمع الإعلامي.

4. تعديل قوانين التعليم العام والعالي:
شرعنة صندوق دعم التعليم كواجهة لفرض رسوم وإتاوات، تغيير المناهج وإلزام الجامعات بتدريس ملازم الحوثي ومادة الصراع بمنظور الجماعة كمتطلب تخرج.

5. قوانين الاستثمار والأراضي والعقارات:
مشاريع تتيح مصادرة الأراضي غير المستغلة وأراضي الأوقاف بمفهومها الجديد وتحويلها لقيادات الجماعة وهيئة الأوقاف المستحدثة.

كل هذه التشريعات تعتبرها الحكومة الشرعية والمراكز القانونية باطلة دستوريًا، صادرة عن مجلس فاقد النصاب مسلوب الإرادة بقوة السلاح.لكن باتت أمر واقع.

المحور الثالث: خارج الصندوق – 5 ضربات استراتيجية غير عسكرية.

خارج إطار الهجوم والدفاع والمفاوضات، هناك أوراق ضغط نوعية قادرة على إرباك حسابات الحوثي فورًا:

1. سلاح الريال الإلكتروني الموحد وتجميد السيولة:
نقطة تفوق الحوثي هي كتلته النقدية الضخمة من العملة القديمة وسيطرته على شركات الصرافة.
الضربة: يعلن البنك المركزي في عدن إلغاء كل الفئات الورقية القديمة والجديدة تدريجيًا وإجبار القطاع على الانتقال لنظام بنكي رقمي ومحفظة إلكترونية حكومية موحدة.
الأثر: مئات المليارات المخزنة في قبو صنعاء تصبح ورقًا بلا قيمة، ويجبر التجار على منظومة عدن الرقمية، فيشل تمويل الجماعة.

2. نقل البيانات والسجلات الرقمية الحيوية إلى سحابة دولية:
ترك الخوادم الرئيسية في صنعاء يمنح الحوثي سلطة معلوماتية.
الضربة: سحب سجلات الأحوال المدنية والجوازات والعقارات والأراضي وسجلات الموظفين والتأمينات ونقلها لسحابة رقمية دولية آمنة وإعلان بطلان أي تعديل يجري من صنعاء.
الأثر: منع تزوير الهويات ومنح الجنسيات لعناصر أجنبية وشرعنة السطو على الأراضي عبر السجلات.

3. قانون العفو والضمانات المالية لطوق صنعاء:
الحوثي يعتمد على إخافة قبائل الطوق من انتقام الشرعية.
الضربة: إصدار قانون يمنح حصانة كاملة وضمانات مكتوبة ومكافآت مالية وتسوية أوضاع وبقاء في المناصب لكل القيادات القبلية والعسكرية الوسطى التي تعلن الحياد أو تسليم معسكراتها دون قتال.
الأثر: تفكيك الحاضنة القبلية والدفاعية من الداخل وانهيار داخلي سريع دون معارك عنيفة.

4. كسر احتكار الملاحة والإنترنت – Starlink:
صنعاء تتحكم ببوابة يمن نت وتجني مئات الملايين وتراقب المواطنين.
الضربة: اتفاقية مباشرة مع شركات إنترنت فضائي مثل Starlink بأسعار مدعومة ورمزية لكل اليمنيين في الشمال، وربط مراكز الاتصالات في المحرر بكوابل بحرية مستقلة.
الأثر: إنهاء احتكار الإنترنت وقطع مورد مالي ضخم وتحرير صنعاء من الرقابة الأمنية.

5. عولمة قضايا حقوق العمال ومطالبات النقابات:
الجماعة تقطع الرواتب وتجني الإيرادات في هدنة اللاحرب واللاسلم.
الضربة: تحريك اتحادات العمال والنقابات لرفع دعاوى جماعية أمام منظمة العمل الدولية ومحاكم حقوقية دولية ضد سلطة الأمر الواقع كمنظمة تنتهك حقوق العمال وتصادر أجور الموظفين.
الأثر: ضغط حقوقي دولي يحرج الجماعة أمام المنظمات ويوجه غضب الشارع لملف الحقوق المباشرة.

الخلاصة الاستراتيجية:
الحوثي لا يقاتل بالبندقية فقط، يقاتل بالقانون المزور، بالسجل المدني المزور، بالعملة المخزنة، وبكابل الإنترنت.

ومن يريد استعادة الدولة في صنعاء، لا يحتاج فقط دبابة، بل يحتاج قرارًا يلغي الورق، وسحابة تحمي البيانات، وقانون عفو يكسر خوف الطوق، وقمر صناعي يكسر احتكار الصوت.

تلك هي الحرب خارج الصندوق.

ماذا عن الأخريات العسكرية؟
تعتمد الأفكار العسكرية غير التقليدية (خارج الصندوق) على استغلال نقاط الضعف الهيكلية التي لا تغطيها الخطط التقليدية. الفكرة الأكثر مباغتة والتي يمكن أن تقلب موازين المعركة بالكامل هي “حرب المسيرات الانتحارية الرخيصة المصنوعة محليًا لقطع شريان الاتصالات البدائي وعزل صعدة”، بالتوازي مع تكتيكات ذكية أخرى تشمل:
• حرب المسيّرات الاستنزافية المعاكسة: يعتمد الحوثيون على الطائرات المسيرة كقوة ردع استراتيجية. الفكرة غير المتوقعة هي إغراق مناطقهم بآلاف الطائرات المسيرة التجارية الصغيرة والرخيصة جداً (FPV Drones) المبرمجة برمجيات مفتوحة المصدر. هذه المسيرات لا تستهدف الجبهات، بل تصطاد المشرفين، عربات النقل العسكرية الصغيرة، والتحركات اللوجستية اليومية في عمق صعدة وصنعاء، مما يشل حركتهم تمامًا ويفقدهم ميزتهم التكنولوجية.
• التسلل السيبراني لشبكات الاتصال اللاسلكي والمحلي: يعتمد الحوثيون في توجيه مقاتليهم وفي شبكاتهم الإدارية على منظومات اتصالات محلية وخطوط أرضية بدائية يصعب تعقبها بالطيران. اختراق هذه الشبكات وبث توجيهات وأوامر انسحاب وهمية بصوت قياداتهم (باستخدام تكنولوجيا تزييف الصوت بالذكاء الاصطناعي) كفيل بإحداث حالة ذعر وانكسار جماعي في صفوف المقاتلين بالجبهات دون إطلاق رصاصة واحدة.
• الإنزال البرمائي الخاطف خلف خطوط الحديدة: بدلًا من الهجوم الجبهوي التقليدي على الخطوط الدفاعية المحصنة في الحديدة، تتمثل الفكرة في تنفيذ إنزال بحري مباغت وخاطف في نقاط ميتة شمال الحديدة (قرب الصليف أو ميدي) لقطع الطريق الدولي تمامًا بين صنعاء وميناء الحديدة، وتحويل القوات الحوثية المتقدمة إلى قوات محاصرة بالكامل.
• حرب العصابات العكسية في جبال صعدة: الحوثيون بارعون في حرب العصابات والتحصن بالمرتفعات. نقل المعركة إلى جبال صعدة عبر تشكيل وحدات خاصة صغيرة جدًا من أبناء القبائل المحلية، وتدريبهم على قتال الشوارع والكمائن الليلية السريعة (تكتيك اضرب واهرب العكسي)، يجر الجماعة إلى حرب استنزاف في معقلها الرئيسي ويفقدها السيطرة على مخازنها الاستراتيجية.

ماذابعد؟

في ظل المعطيات العسكرية الحالية لعام 2026، فإن الأفكار الأكثر رعبًا ومباغتة لهزيمة الحوثي “اليوم” تعتمد على دمج الذكاء الاصطناعي المستقل، والحروب تحت السطحية، والتحكم بالبيئة العملياتية، وهي تكتيكات لم تعتد عليها المليشيا ولم تحسب لها حسابًا:
1. كمائن “أسراب الموت الصامت” المستقلة (Autonomous Drone Swarms)
بدلاً من المسيرات التقليدية التي يتم التحكم فيها عن بُعد ويصعب توجيهها عند التشويش، يتم إطلاق أسراب مسيرات صغيرة تعمل بالذكاء الاصطناعي الكامل دون ارتباط بالإنترنت أو الـ GPS.
كيف ترعبهم؟ هذه الأسراب تُبرمج عبر بصمات الوجه، والصوت، ونوع السلاح، وبصمة الصوت للمركبات العسكرية الحوثية.
تنطلق هذه المسيرات في عمق جبال صعدة وصنعاء وتنتشر في الشعاب، وتظل “كامنة” وصامتة لساعات. بمجرد تحرك أي عربة عسكرية أو خروج قيادي، تتحرك أوتوماتيكيًا وتنقض كأسراب النحل لانتحار جماعي فوق الهدف. هذا التكتيك يشل حركة القيادات تمامًاويجعلهم يخافون من الخروج إلى الهواء الطلق.
2. سلاح “الحوت الأعمى” لقطع شبكات التهريب تحت الماء.
يعتمد الحوثيون بشكل كبير على زوارق الغطس الصغيرة (التحت مائية) والغواصات المسيرة البدائية لتهريب الأسلحة وضرب السفن.
كيف ترعبهم؟ استخدام مستشعرات غاطسة ذكية (مستقلة) وشبكات صيد مغناطيسية متفجرة يتم نشرها بكثافة في الممرات البحرية الضيقة قبالة الحديدة والصليف.
هذه المنظومات تلتقط أي حركة ميكانيكية تحت الماء وتطبق عليها فورًا، مما يعني تدمير شبكات التهريب الحوثية في عمق البحر قبل وصولها للشواطئ، وتحويل سلاحهم التحت مائي إلى مقبرة لخبراء التهريب لديهم.
3. “الهوية الرقمية المزيفة” والسيطرة على المنظومة الإدارية
الحوثيون يديرون مناطقهم عبر نظام أمني استخباراتي صارم يعتمد على “المشرفين” والتقارير الرقمية.
كيف ترعبهم؟ تنفيذ عملية اختراق سيبراني شاملة لشبكات الاتصال الداخلي المطبقة في عام 2026، واستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي الفوري لتقليد هويات وأصوات “القيادات العليا” (مثل زعيم الجماعة أو رئيس مجلسهم السياسي).
يتم إرسال قرارات “حقيقية التزوير” بإقالة مشرفين بارزين، وتوجيه تهم الخيانة لقادة جبهات يثقون بهم، والأمر باعتقالهم. هذا يخلق “حرب تصفية داخلية” مرعبة بين أجنحة الحوثيين ليتناحروا فيما بينهم دون تدخل عسكري خارجي مباشر.
4. صدمة “التجفيف التكنولوجي الشامل” ومقاطعة السلسلة
تعتمد المليشيا على أجهزة اتصالات مدنية معدلة، ورقاقات إلكترونية مهربة لتشغيل صواريخها.
كيف ترعبهم؟ زراعة رقاقات خبيثة “نائمة” (Hardware Trojans) في شحنات الأجهزة التكنولوجية والهواتف وبطاريات الليثيوم التي تتدفق لأسواقهم عبر التهريب.
في “ساعة الصفر”، يتم إرسال نبضات كهرومغناطيسية أو برمجية عبر الأقمار الصناعية لتفعيل هذه الرقاقات، مما يؤدي إلى تفجير بطاريات الأجهزة اللاسلكية والهواتف في أيدي المشرفين والقيادات، أو تعطيل منظومات توجيه الصواريخ لحظة الإطلاق، وهو ما ينسف أمنهم الشخصي والعسكري في ثوانٍ معدودة.
باحث استراتيجي يمني.

زر الذهاب إلى الأعلى