مقالات الرأى

راندا الهادي تكتب: خدعة الأربعين شبيهًا

عندما كنت صغيرة كانت تصل إلى مسامعي هذه العبارة كثيرًا ” يخلق من الشبه أربعين” ، سمعتها في كل الأوساط والمجالس ، مع اختلاف المناسبات ، حينئذ لم أكن أعلم شيئًا عن مدلولها ولماذا تُقال ؟!

وعندما زادت سنوات عمري عن أصابع اليد الواحدة أدركت المعني المباشر لهذه العبارة ألا وهو تقارب الشكل والملامح بين اثنين قد تصل بينهما قرابة وقد لا توجد بينهما أي صلة ، وأتذكر في المدرسة سعادتي الغامرة عندما كان يشبهني أساتذتي بأقرب صديقاتي إلى قلبي ، واعتقادهم بأننا أخوات .

ياليت أيام الطفولة تعود لنعتصر السعادة فيها حتى آخر نقطة ونحملها معنا معونةً لأيام جافة تخلو من السعادة الحقيقية، ولا يملؤها غير الضغوط والمسئوليات والالتزامات التي لا تنتهي ، لكن للأسف تلك سنة الحياة .

نعود إلى الأربعين شبيها ، الثقافات كلها عرفت الشبيه. في الغرب ظهر (الدوبلغانجر) وهي كلمة تعود إلى اللغة الألمانية ، وتعني في أغلب الثقافات والحكايات الشبيه ، حيث تعتبر رؤية شبيهٍ لشخصٍ ما نذيرًا بالشؤم؛ فَحين يُرى من قِبَل أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء فهو دليل على أن ذلك الشخص في خطر أو أنه سيمرض، أما إن رأى الإنسان شبيهه فهذه علامة على أن موته قد اقترب ، وهناك بعض الثقافات تعتبره التوأم الشرير للشخص، وثقافات أخرى تراه نوعًا من اللعنات أو السحر.

وفي أمثالنا الشعبية نقول : (يخلق من الشبه أربعين).. وهي ليست جملة نلقيها عند المصادفة في الشارع، بل حكمة فلسفية تُذكّرنا بسرّ الوجود: أن الخالق جمع بين القدرة على التكرار بلا نهاية، وبين القدرة على منح كل كائن نكهته الخاصة، مع انه (يخلق من الشبه أربعين).

أتعلمون ما اعتقده ؟ اعتقد أن فكرة الأربعين شبيها ما هي إلا صناعة بشرية مائة بالمائة ، اختلقها أناس عذبهم فراق أحبابهم ، حتى وصل بهم الحد لاستنطاق ملامحهم في البشر المحيطين بهم ، وهنا يحضرني قول الشاعر الكبير (فاروق جويدة) :

لماذا أراك على كل شيء .. كأنك في الأرض كل البشر
كأنك درب بغير انتهاء .. وأني خُلقت لهذا السفر .

إذن التحليل المنطقي أن كذبة الأربعين شبيها ما هي إلا تسلية لأولئك الذين عانت قلوبهم من ألم غياب الأحبة ، فهناك من ترى والدها في كل رجل أشيب ذي عكاز يستعين به على السير ، وهناك من يرى جدته العزيزة في رائحة كل سيدة عجوز تمسك مسبحة كهرمانية وتدندن في هدوء ، أو في من يرى محبوبته في كل فتاة تضع عطرًا كانت تتزين به في لقاءات جمعتهم قبل الفراق .

لله درّ قلوب تهتز وترتجف من نغمة أو كلمة أو رائحة تذكرها بأحبابها ، وتعيدها في لحظات لذكريات موجعة ليس لقسوتها وإنما لحلاوتها المفرطة التي جعلت أصحابها نياطاً للقلوب ، التي تنفطر لغيابهم مهما كانت الأسباب .
إذن ما رأيكم ؟ هل أنتم معي في اعتبار الأربعين شبيهًا خدعة لتسلية القلوب ؟ أم تعتقدون بوجود هذه الهبة الربانية بين البشر كما أشارت بعض الأقوال ؟ مهما كانت الإجابة علينا الإقرار بأن من خلق بصمات أصابع اليد الواحدة متباينة ، خلق كل إنسان قطعة فريدة من نوعها لا ولن تتكرر مهما رأينا تشابهًا في الملامح .
فالوجوه تتشابه كالأمواج، لكن كل موجة تحمل ماءها، وحركتها، ورحلتها الخاصة.. هكذا نحن: قد (يخلق من الشبه أربعين)، لكننا في النهاية لا نُخلق إلا مرة واحدة..

زر الذهاب إلى الأعلى