د. باسم المذحجي يكتب: اللغز – أين اختفى العقل الاستخباري للدولة؟

الماده هذه عبارة عن دراسة في بنية الظل اليمنية الاستخبارية وتعد مادة مصنفة نطاقها الظلي من ميدان السبعين إلى ضاف جهران..
في آخر استعراض عسكري للدولة اليمنية الموحدة في ميدان السبعين 2009-2011، قبل لعنة ما سمي بالربيع العربي، اصطفت الدولة كلها في لقطة واحدة. هذه المادة تفكك تلك اللقطة كخريطة قوة، وتتتبع اختفاء أهم رجل ظل فيها: علي محمد الآنسي، وتطرح سؤال الدولة القادمة: هل يملك ذمار – أنس وضِاف – خزان العباقرة نقطة التحول لاستعادة صنعاء؟
أولاً: المشهد – لقطة السبعين الأخيرة:
يومها ترجل علي عبدالله صالح من عربة الاستعراض.
اصطف إلى جانبه الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، وعبدالعزيز عبدالغني، ورئيس الوزراء محمد علي مجور وآخرون.
في المنصة: عبد الكريم الإرياني، ثم صادق الأحمر، ثم كان إلى جوار بعضهما رجلان سيحكمان المشهد لاحقًا: الدكتور رشاد العليمي رئيس مجلس القيادة الرئاسي الحالي، وإلى جواره رجل يدعى علي محمد الآنسي.
تلك لم تكن منصة احتفال، كانت منصة تقاسم نفوذ الدولة العميقة.
ثانيًا: من هو علي محمد الآنسي؟ – صندوق الدولة الأسود:
الآنسي ليس موظفًا، هو بنية:
– مدير مكتب مجلس الرئاسة 1990؛
– مدير مكتب رئاسة الجمهورية 1994 – 2003 – الرجل الذي تمر عبره كل ملفات الدولة؛
– مؤسس ورئيس جهاز الأمن القومي اليمني منذ تأسيسه 2002-2003 حتى 15 سبتمبر 2012، بقرار من هادي وتعيين علي حسن الأحمدي خلفًا له.هناغلطة الشاطر بعشرة التي أرتكبها عبدربه منصور هادي في إدارة مشهد الدولة اليمنية.
– عضو مؤسس في المؤتمر الشعبي العام – الواجهة الحزبية للدولة.
للتذكير جهاز الأمن القومي: تأسس 2002 بقرار جمهوري، مقره صنعاء، كان الجهاز السيادي الأعلى الذي يربط الرئاسة بالمخابرات الخارجية والداخلية والأمن السياسي. تم إلغاؤه ودمجه في نوفمبر 2025 ضمن الجهاز المركزي لأمن الدولة.
الآنسي كان يملك ثلاثة مفاتيح لا يملكها غيره:
1. أرشيف الرئاسة من 1990؛
2. شبكة الأمن القومي الخارجية – علاقاته مع الرياض وأبوظبي وواشنطن؛
3. خريطة ولاءات المؤتمر والجيش والقبيلة؛
ثالثًا: اللغز – ما مصير الرجل؟ أين فريقه المخابراتي؟ ماذا بعد؟
السؤال الذي لا يجيب عنه أحد:
– الرجل لم يُحاكم، لم يُقتل، لم يظهر في المنفى السياسي التقليدي كغيره.
– فريقه المخابراتي – الضباط الذين دربهم من 2002 إلى 2012 – تبخروا. لا هم مع الحوثي، ولا هم مع الشرعية بشكل معلن، ولا هم في الرياض.
– الجهاز الذي بناه تفكك، لكن شبكته البشرية لا تتفكك بهذه السهولة.
في علوم الاستخبارات، هذا يسمى “الاختفاء الاستراتيجي Strategic Latency”: الجهاز يدخل في سبات، يحتفظ بالأرشيف والشبكات، وينتظر لحظة انهيار المركز.
القصة لم تنتهِ.
رابعًا: الجغرافيا العبقرية – من أنس إلى ضاف:
مسقط رأس الآنسي: أنس – ذمار.
يقابلها تاريخيًاوجغرافيًا: “قرية ضاف”.وضع تحتها خطين.
ضاف ليست قرية عادية:
– الموقع: علو قاع جهران، المدخل الشمالي لمحافظة ذمار؛
– التاريخ: مدينة حميرية قديمة، القرن الثاني الميلادي، مذكورة في نقوش المسن؛
– زارها الرحالة الدنماركي نيبور 1761 والمستشرق النمساوي سيغفريد لانغر 1882؛
– العزلة: علو جهران
– زلزال 1982: تهدمت أجزاؤها، لكنها لم تهدم عقولها؛
ضاف اليوم تُعرف في اليمن بأنها “أكبر مخزون للعباقرة والأذكياء” – ضباط مخابرات، مهندسو اتصالات، أطباء، قضاة. ذمار عمومًا هي خزان الدولة البيروقراطي منذ الإمامة.
صدق أو لا تصدق، هم الأشد ذكاءً وتنظيمًا.
خامسًا: سؤال التحول – هل نملك في الآنسي وذكاء ذمار نقطة استعادة الدولة؟
تطرح الورقة فرضية استخباراتية:
استعادة صنعاء لن تكون بقوة عسكرية من مأرب أو الساحل، بل بعودة “العقل الاستخباري” الذي يعرف:
– أين مفاتيح صنعاء القديمة؛
– أين شبكات الكهرباء والاتصالات التي بناها؛
– أين الولاءات القبلية التي أدارها 20 سنة؛
– وأين الأرشيف؛
ذمار – أنس وضِاف – لا تملك مليشيا، لكنها تملك ما لا تملكه المليشيا: القدرة على تشغيل الدولة في 48 ساعة.
إذا كان الحوثي يملك الجبل، والانتقالي يملك البحر، والشرعية تملك الشرعية، فإن شبكة الآنسي – الضافية – تملك “كود التشغيل”.
الخلاصة الاستراتيجبة..
لغز السبعين لم يكن من في المنصة، بل من اختفى منها.
علي محمد الآنسي لم ينتهِ، بل دخل مرحلة الظل. وفريقه لم يتبخر، بل يعيد التموضع.
والسؤال الحقيقي ليس أين هو؟ بل متى يقرر خزان عباقرة ذمار – ضاف وجهران وأنس – أن يضغط زر استعادة الدولة؟
قد تكون ضاف، القرية الحميرية التي ذكرت في المسند قبل 1800 سنة، هي من تكتب السطر الأخير في كتاب صنعاء.
ماذا بعد؟
المهندس أحمد محمد الآنسي – مؤسس قطاع الاتصالات الحديث في اليمن.
المهندس أحمد محمد الآنسي هو سياسي ومهندس يمني، يُعتبر الأب المؤسس والرائد الأول لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في اليمن، وصاحب أطول خدمة وزارية في تاريخ اليمن الحديث.
نبذة عن سيرته:
– تاريخ الميلاد:18 أبريل 1939 في بيت الفقيه – محافظة الحديدة.
– المؤهلات العلمية:ماجستير في هندسة الاتصالات من الاتحاد السوفيتي – 1967، ودبلوم تخصص في إدارة الطيران المدني وسلامة الطيران من ألمانيا الاتحادية – 1976.
أبرز المناصب التي تولاها – 24 عامًا وزيرًا:
– وزير المواصلات في الجمهورية العربية اليمنية (1977 – 1988م) – 11 عامًا.
– وزير التربية والتعليم في الجمهورية العربية اليمنية (1988 – 1990م).
– وزير الاتصالات وتقنية المعلومات في الجمهورية اليمنية بعد الوحدة (24 مايو 1990 إلى 4 أبريل 2001) – 11 عامًا متواصلة بعد الوحدة.
– عضو مجلس النواب اليمني لعدة دورات.
– رئيس الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد في اليمن (2007 – 2012).
البصمة الاستراتيجية:
في عهده تحولت الاتصالات من مقاسم يدوية إلى شبكة وطنية، وتم تأسيس المؤسسة العامة للاتصالات، ويمن نت، ويمن موبايل كبنية تحتية، وأدخل أول كابل بحري وأول محطة أقمار صناعية لليمن. لذلك يلقب بـ “مهندس اتصالات الجمهورية اليمنية”.
هل وصلت كواليس بنية الظل الاستخبارية اليمنية؟
باحث استراتيجي يمني










