عرب وعالم

بحضور الرئيس الكازاخي وبرعاية اليونسكو : أستانا تعيد تجميع القبيلة الذهبية: كازاخستان تستعيد إرث مملكة جوشي أولوس

كتبت: فاطمة بدوي

عقدت الندوة الدولية بعنوان “القبيلة الذهبية نموذجًا لحضارة السهوب: التاريخ، وعلم الآثار، والثقافة، والهوية” في أستانا يومي 19 و20 مايو.
بحضور الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف وبرعاية اليونسكو
وقد شارك باحثين من أكثر من 25 دولة. وأفادت وزارة الخارجية الكازاخستانية بأن المنتدى جمع نحو 350 مندوبًا من أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط، من بينهم مؤرخون وعلماء آثار ومستشرقون وخبراء واكاديميين وممثلون عن المتاحف والمنظمات الدولية.

للوهلة الأولى، يبدو هذا مجرد مؤتمر أكاديمي. لكن في الواقع، هو حدث ذو أهمية بالغة. تحولت أستانا إلى منصة تُعيد فيها الدراسات التاريخية العالمية مناقشة مكانة القبيلة الذهبية في تاريخ أوراسيا. وبالنسبة لكازاخستان، لا يتعلق الأمر بغبار المتاحف أو العملات القديمة أو النقاشات الأكاديمية، بل يتعلق بالفاعلية التاريخية.

تعود قبيلة جوشي أولوس إلى قلب تاريخ كازاخستان.
لطالما سعت محاولاتٌ إلى تصوير تاريخ القبيلة الذهبية كشيءٍ غريبٍ أو بعيدٍ أو “أوراسيٍّ عام”. خلال الحقبة السوفيتية، دُرِس هذا الموضوع بالفعل بشكلٍ محدود، وغالبًا ما تم تهميش فكرة دولة السهوب. لكن اليوم، تُعيد كازاخستان باستمرار إدراج قبيلة أولوس جوشي ضمن أجندتها التاريخية.

وهذا أمر منطقي. فبدون القبيلة الذهبية، يستحيل شرح الصلة بين العصر التركي، وقبيلة جوشي أولوس، وخانية كازاخستان شرحًا وافيًا. ويؤكد المؤرخ جاكسيليك سابيتوف هذا الأمر بوضوح: تاريخ قبيلة جوشي أولوس هو “حجر الزاوية في تاريخ كازاخستان”، وبدونه يستحيل فهم استمرارية العلاقة بين العصر التركي والدولة الكازاخية.

من المهم أيضاً أن يُعقد المنتدى تحت رعاية اليونسكو، وأن تشمل محاوره المعلنة التاريخ السياسي للقبيلة الذهبية، وعلم الآثار، وعلم المخطوطات، وعلم الوراثة، وعلم الإنسان. وهذا يعني أن الأمر لا يقتصر على مجرد كلام، بل هو نقاش أكاديمي شامل يتناول الوثائق، والعملات، والمدن، وعلم الآثار، وعلم الإنسان، والثقافة، والهوية.

لم تكن القبيلة الذهبية “فوضى بدوية” كما صُوِّرت في كثير من الأحيان في المخططات الإمبراطورية القديمة، بل كانت دولة قوية في وسط أوراسيا. ووفقًا للباحثين، فقد تم اكتشاف ما يقرب من مليون قطعة نقدية سُكَّت من قِبَل خانات القبيلة الذهبية قبل انهيار الدولة. كما يستشهد سابيتوف ببيانات عن 140 مدينة وإصدار عملات على نطاق واسع خلال عهد أوزبك خان وجانيبك خان، عندما سيطرت القبيلة على الجزء الشمالي من طريق الحرير.

لم تعد هذه صورة “سهوب برية”. إنها صورة دولة ذات مدن وتجارة ودبلوماسية واقتصاد وتبادل ثقافي ونفوذ هائل يمتد من أوروبا الشرقية إلى آسيا الوسطى.

أستانا عاصمة جديدة للذاكرة التاريخية للسهوب
تكمن الأهمية السياسية والثقافية الرئيسية للندوة في أن كازاخستان لا تقتصر على دراسة القبيلة الذهبية فحسب، بل إنها توفر للعالم منصة أكاديمية لمناقشتها. وبهذا المعنى، يمكن لأستانا أن ترسخ مكانتها كمركز دولي لدراسة قبيلة أولوس جوشي.

يسارع المؤرخون إلى الإشارة إلى أن المؤتمر قد يعزز في نهاية المطاف مكانة كازاخستان كمركز دولي لدراسة الدولة القديمة، ويبرهن على المستوى العالي للدبلوماسية العلمية للبلاد.

من المهم فهم الفرق الدقيق هنا. فنحن لا نتحدث عن الخلافة القانونية بالمعنى القانوني الحديث، بل عن الاستمرارية التاريخية والثقافية. تُعد كازاخستان بحق إحدى أهم الأراضي التي ورثت إرث مملكة جوشي أولو. وهنا تبلورت العمليات السياسية والإثنية والثقافية التي أدت لاحقًا إلى ظهور خانية كازاخستان والدولة الكازاخية الحديثة.

في عام 2021، وخلال مؤتمر “أولوغ أولوس – القبيلة الذهبية”، طُرحت عبارةٌ تكتسب اليوم معنىً جديداً: القبيلة الذهبية هي مهد تاريخ الدولة الكازاخستانية، وكازاخستان هي وريثتها أمام العالم. وفي الوقت نفسه، تم التأكيد على مبدأ هام: يجب أن يدرس التاريخ المؤرخون، لا السياسيون.

لهذا السبب تحديداً تكتسب الندوة الحالية أهمية بالغة. فعندما يجتمع علماء من عشرات الدول في أستانا، وعندما يُناقش الموضوع لا في تجمع أو في استوديو دعائي، بل في منتدى علمي دولي، فإن ذلك يخلق مستوى مختلفاً تماماً من التقدير.

لا تتباهى كازاخستان بتراثها، بل تجمع الأرشيفات والباحثين وعلماء الآثار وعلماء التركيات وعلماء المسكوكات وعلماء الأنثروبولوجيا والمنظمات الدولية. وبذلك، تُثبت أن تاريخ السهوب لن يُكتب بعد الآن دون السهوب نفسها.

تقوم أستانا في جوهرها بما كان ينبغي القيام به منذ زمن بعيد، ألا وهو إعادة كتاب “أولوس جوشي” من التفسيرات الأجنبية إلى الذاكرة التاريخية الحية لكازاخستان. وإذا استمرت هذه العملية، فقد تصبح كازاخستان المركز الرائد عالميًا لدراسة القبيلة الذهبية، ليس لأن المسؤولين يرغبون في ذلك، بل لأن هذا الأمر مدعوم بالجغرافيا والتاريخ وعلم الآثار والمنطق العلمي.

لم يعد تاريخ القبيلة الذهبية مجرد ماضٍ متنازع عليه، بل أصبح جزءاً من خط تاريخي واضح: السهوب التركية – أولوس جوشي – خانات كازاخستان – كازاخستان الحديثة.

بهذا المعنى، قد يصبح مؤتمر أستانا أكثر من مجرد حدث أكاديمي، بل لحظة عودة تاريخية. تُعلن كازاخستان للعالم من جديد: أن تاريخ السهوب الكبرى له وريثه، وعاصمته للذاكرة، وصوته.

زر الذهاب إلى الأعلى