عرب وعالم

مصر وبروناي… شراكة هادئة تعبر القارات والأزهر جسر التواصل

كتبت: فاطمة بدوي

تحتفل بروناي دار السلام في الثالث والعشرين من فبراير من كل عام بعيدها الوطني، وهو مناسبة تستحضر فيها الدولة الصغيرة الواقعة في جنوب شرق آسيا مسيرة بناء حديثة قوامها الاستقرار والتنمية والهوية الثقافية الراسخة. وفي هذه المناسبة لعام 2026، تبرز العلاقات المصرية البروناية بوصفها نموذجًا لعلاقة هادئة ومتنامية بين بلدين يجمعهما احترام متبادل ورغبة مشتركة في توسيع مجالات التعاون، رغم البعد الجغرافي واختلاف الثقل الإقليمي لكل منهما.
وترتكز العلاقات بين مصر وبروناي على أسس دبلوماسية ناضجة، تقوم على التفاهم والتقدير المتبادل داخل المحافل الدولية، وعلى رؤية مشتركة تدعم السلم والاستقرار واحترام سيادة الدول. وقد ساعد هذا المناخ الإيجابي على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، سواء عبر السفارات والبعثات الدبلوماسية أو من خلال اللقاءات الرسمية والمشاركات في المؤتمرات متعددة الأطراف. كما أن العلاقات بين البلدين لم تُبنَ على العناوين السياسية فقط، بل امتدت إلى دوائر أوسع تشمل التعليم والثقافة والتعاون الديني والتبادل المعرفي.
وتحتل مصر مكانة خاصة في وجدان كثير من البروناويين باعتبارها مركزًا تاريخيًا للعلم الديني واللغة العربية والدراسات الإسلامية، وهو ما جعل الأزهر الشريف مقصدًا مهمًا لطلاب العلم من بروناي عبر سنوات طويلة. ويُنظر إلى الأزهر في بروناي باعتباره مؤسسة علمية وروحية مرجعية، تسهم في إعداد كوادر دينية وتعليمية تعود إلى بلادها محمّلة بخبرة علمية ومنهج وسطي معتدل. ومن هنا، شكّل التعليم الديني أحد أبرز جسور التواصل بين الشعبين، بما يعمّق المعرفة المتبادلة ويمنح العلاقات بعدًا إنسانيًا وثقافيًا يتجاوز البروتوكول الرسمي.
كما تمتد أواصر التقارب بين البلدين إلى التعاون في مجال الثقافة، حيث تتقاطع القيم المشتركة المتعلقة بالهوية الإسلامية والتمسك بالعادات والتقاليد واحترام الأسرة والمجتمع. وتتيح هذه المساحة المشتركة فرصًا واسعة لتعزيز الأنشطة الثقافية والفنية والمعرفية، سواء عبر تنظيم أسابيع ثقافية، أو تبادل الوفود الطلابية، أو دعم الترجمات والتعارف بين النخب الفكرية. وفي عالم تتسارع فيه التحولات الرقمية والاجتماعية، تبدو الثقافة أداة فاعلة لتقريب الشعوب وترسيخ الثقة المتبادلة.
أما على الصعيد الاقتصادي، فما زالت العلاقات بين مصر وبروناي دون مستوى الطموح، لكنها تحمل إمكانات واعدة إذا ما جرى استثمارها بصورة أفضل. فمصر تمتلك سوقًا كبيرًا وموقعًا استراتيجيًا يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بينما تتمتع بروناي باقتصاد مستقر وموارد مالية يمكن أن تدعم شراكات في مجالات الاستثمار والخدمات والتعليم والسياحة. ويمكن للجانبين النظر إلى فرص التعاون في قطاعات مثل السياحة الدينية والعلاجية، والتعليم العالي، والتدريب المهني، إضافة إلى مجالات الغذاء والمنتجات الحلال التي تمثل اهتمامًا مشتركًا. ومن شأن تطوير التبادل التجاري، حتى ولو على نطاق متدرج، أن يمنح العلاقات بعدًا عمليًا أكثر حضورًا في حياة البلدين.
وفي السياق السياسي، تحرص القاهرة وبندر سري بيغاوان على دعم الحوار والتنسيق في القضايا التي تهم العالم الإسلامي، سواء داخل منظمة التعاون الإسلامي أو في المنابر الدولية الأخرى. وتلتقي رؤيتهما عند أهمية حل النزاعات بالطرق السلمية، ومواجهة التطرف، ودعم التنمية، وتعزيز العدالة الدولية. وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة في ظل عالم يواجه تحديات متشابكة، من التوترات الجيوسياسية إلى الأزمات الاقتصادية وتداعيات التغير المناخي. وهنا يبرز دور العلاقات الثنائية الهادئة بوصفها رصيدًا دبلوماسيًا يمكن البناء عليه في أوقات الاضطراب.
وتظل بروناي، رغم صغر مساحتها السكانية والجغرافية، دولة ذات حضور معتبر في محيطها الآسيوي والإسلامي، بينما تواصل مصر أداء دورها التاريخي بوصفها دولة محورية في العالم العربي والأفريقي. ومن هذه الزاوية، لا تبدو العلاقات بينهما مجرد علاقة بين بلدين متباعدين، بل جسرًا يربط بين خبرات مختلفة وإمكانات متكاملة. وإذا كان العيد الوطني لبروناي مناسبة للاحتفاء بإنجازاتها الداخلية، فهو أيضًا فرصة لتجديد النظر في آفاق التعاون مع شركاء مثل مصر، ممن يقدّرون الاستقرار ويفتحون أبوابًا أوسع للتفاهم والشراكة.
وفي عام 2026، تبدو الرسالة الأهم أن العلاقات المصرية البروناية، وإن كانت متواضعة الحجم، فإنها غنية بالقيمة والمعنى. فهي علاقة تستند إلى الاحترام والثقة، وتملك قابلية للتوسع في التعليم والثقافة والاقتصاد والتعاون الدولي. ومع تزايد الحاجة العالمية إلى بناء جسور بين الشرق العربي وشرق آسيا، يمكن لهذه العلاقة أن تتحول من تعاون هادئ إلى شراكة أكثر حضورًا وتأثيرًا، إذا توفرت الإرادة السياسية والآليات العملية اللازمة لذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى