فنون وابداع

«البحث عن داوود عبد السيد».. فيلم عن شجاعة مخرج في مواجهة الرقابة

0:00

صُنع فيلم البحث عن داوود عبد السيد لكي يكون احتفاء بمسيرة المخرج، ولكنه في ليلة وضحاها أصبح مرثية وداع للرجل الذي منح السينما مجموعة من الأفلام المميزة، وقد عرض الفيلم في حفل تأبين بحضور عدد من صناع السينما المصرية وأصدقاءه والنقاد المصريين، في المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، بمناسبة مرور 40 يوماً على وفاته في ديسمبر 2025.

“البحث عن داوود عبد السيد”، هو فيلم تسجيلي مدته 50 دقيقة، يتناول سيرة ومسيرة المخرج الراحل باعتباره أحد أبرز رموز السينما المصرية، من إخراج أسامة العبد، فكرة وإنتاج محمد عبدالوهاب، وبحث أسامة عبد الفتاح، وتصوير كمال سمير.

وعقب عرض الفيلم، أُقيمت ندوة لمناقشته، شارك فيها مهندس الديكور أنسي أبو سيف، والموسيقار راجح داوود، والناقد أسامة عبدالفتاح، بمشاركة مخرج الفيلم أسامة العبد، أدارها مصطفى الطيب.

اعتمد صُناع الفيلم على الأسلوب التقليدي في السرد المتبع في الأفلام التسجيلية، عبر سرد خطي، يبدأ ببداية الارتباط بالسينما، ثم التعلق بها، فيما بعد تأثير الأحداث المتتالية، اجتماعية وسياسية، على تشكيل شخصية وأفكار عبد السيد في مرحلة شبابه، مرورا بمرحلة الواقعية الجديدة، الذي كان أحد رموزها، والصعوبات الإنتاجية التي واجهها طول فترة عمله ومحاولات النجاة بأفلامه من الرقابة، حتى توقفه تماما عن الإخراج بعد فيلم “قدرات غير عادية” عام 2015.

استضاف الفيلم عددا من الضيوف في ضوء اللقاءات المٌكونة لهيكل الفيلم التسجيلي، وهم: الصحفية كريمة كمال زوجة داوود عبد السيد، والناقد عصام زكريا، ومصمم الديكور أنسي أبو سيف، والموسيقار راجح داوود، والمخرج حسين القلا.

ركز الفيلم على الفترة الراهنة التي خرج من رحمها داوود وشكلت أفكاره وأسئلته حول الفرد والحياة والوطن، وهي هزيمة عام 1967، وتأثيرها على جيله، وهي لحظة فارقة في عمر الوطن، ساهمت في تشكيل وعي مختلف لدى هؤلاء، وكونت باتفاق ضمني موجة السينما الواقعية الجديدة، التي ضمت: محمد خان، وداوود، وعاطف الطيب، وخيري بشارة، وتمحورت أفلامهم حول قضايا الفرد وعلاقته بالعالم والسلطة، وهذا الفرد كان بطلا غير مألوف، فهو مهزوم، ومهمش، وضائع أحيانا، على عكس صورة البطل الحبيب التي سادت لسنوات في السينما المصرية، التي كانت الرومانسية طاغية على طابعها.

واعتبر راجح داوود، في حديثه في الفيلم، أن تقديم داوود عبد السيد لتسعة أفلام فقط “لا يُعد نقصاً”، لأن التقييم لا يرتبط بعدد الأعمال، “هناك مخرجون عالميون قدموا 3 أفلام فقط ويتم تصنيفهم ضمن كبار المخرجين”، كما وصف المخرج الراحل بأنه “إنسان بسيط يناقش بهدوء دون استعراض أو (فزلكة)، وكان يقدم الأمور بقدر كبير من السلاسة”.

وقال أنسي أبو سيف، إن “فريق العمل كان يدعم المشروع منذ البداية، بهدف تقديم فيلم لا يتحدث عن داوود كشخص فقط، بل عن أفكاره ومنهجه”.

واستطاع صناع العمل تصوير عدد من اللقاءات الأخيرة لداوود عبد السيد في منزله، قبل وفاته بفترة وجيزة، مما جعل الفيلم يحمل شجنا خاصا، أصاب الحضور بحالة من الحزن وذرف بعض الحضور الدموع، متأثرين برؤيته يتحدث عن أفكاره، وشخصياته، ومبادئه، وحيله مع الرقابة التي بدت كوميدية أحيانا ولكنها ساهمت في مرور الفيلم إلى الجمهور.

ومن الخطوط التي ركز عليها العمل أيضا، توضيح إيمان عبد السيد الشديد بأفكاره، وأنه رفض التنازلات والمواؤمات، وقالت في هذا السياق زوجته إن الراحل كان يقضي سنوات طويلة دون عمل، لكنه لم يتوقف يومًا عن الكتابة، حيث كان يكتب يوميًا ويعمل باستمرار على إعداد السيناريوهات، مؤكدة أنه كان مخلصًا تمامًا لقناعاته الفكرية والفنية، ولم يحِد عنها طوال مشواره.

وأفضل ما يقدمه الفيلم هي شجاعة داوود عبد السيد في الاعتراف، الاعتراف أنه لا يعلم مشاكل الأجيال الحالية بالتالي قرر عدم صناعة أفلام عنهم، قائلا: “مبقتش أعرف الجمهور دلوقتي عايز إيه؟”، هذه الشجاعة في أنه لا يحاول التنظير على أجيال جديدة مرت بظروف اقتصادية وسياسية مختلفة عما مر به وأصدقاءه من المخرجين.

ويمزج الفيلم بين لقطات أرشيفية للقاهرة في حقب زمنية مختلفة، ولقطات من أفلام عبد السيد، تتوازى مع الحديث عن أفكاره وهمومه، وبين لقطات مسجلة معه قبل رحيله في المنزل، وكل ذلك في بناء سردي متصاعد من الميلاد حتى النهاية، التي تنتهي بلقطة قريبة “close up” لعيون عبد السيد وقد بدت فيها الدموع على وشك التساقط.

زر الذهاب إلى الأعلى