ثقافة وابداع

في ندوة بمعرض الكتاب.. شوكت المصري يحذر من امتدادات «الاستشراق الجديد» داخل العالم العربي وتقاطعه مع أطروحة الديانات الإبراهيمية

كتبت: أنس الوجود رضوان

0:00

شهدت القاعة الرئيسية «بلازا 1» ضمن فعاليات الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، ندوة فكرية موسعة بعنوان «الاستشراق الجديد»، ناقشت تحولات الخطاب الاستشراقي من صيغته الكلاسيكية إلى مشروعاته المعرفية المعاصرة، بمشاركة الدكتور عبد الله إبراهيم أستاذ الدراسات السردية والنقدية، والدكتور محمود الضبع عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة قناة السويس، وأدار اللقاء الدكتور شوكت المصري أستاذ مساعد النقد الأدبي الحديث بأكاديمية الفنون.
واستهل الدكتور عبد الله إبراهيم حديثه بالتأكيد على أن الاستشراق التقليدي، رغم ما وُجه إليه من نقد، لعب دورًا مهمًا في حفظ كم هائل من التراث العربي والإسلامي، مشيرًا إلى أن جهود المستشرقين أسهمت في إنقاذ ملايين المخطوطات في مجالات الدين والتاريخ والأدب والثقافة من الضياع، داعيًا إلى تقييم هذا الدور بموضوعية بعيدًا عن الأحكام المسبقة. وأوضح أن الإشكالية الحقيقية لم تكن في وجود الاستشراق ذاته، بل في المناهج والرؤى التي انطلق منها المستشرقون في قراءتهم للتراث.
وأضاف أن المستشرقين، بحكم انتمائهم الثقافي والعقدي المختلف، قرأوا الموروث الإسلامي عبر أدواتهم المعرفية الخاصة، وأسقطوا عليه مناهج تحليل نشأت في بيئاتهم، معتبرًا أن مطالبتهم بتبني الرؤية الداخلية للثقافة الإسلامية تمثل خطأ منهجيًا. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعفي بعضهم من الانحيازات اللاهوتية والسياسية التي أثرت في تأويلهم للنصوص.
وأشار إلى أن الاستشراق القديم، رغم تشكيكه في بعض المصادر، لم يُنكر «الحدث الإسلامي» في جوهره، من وجود نبي وقرآن وهجرة وفتوحات، لكنه غالبًا ما انتهى إلى اعتبار التراث الإسلامي امتدادًا للتراث اليهودي والمسيحي، لافتًا إلى تراجع هذا الاتجاه بعد الحرب العالمية الثانية مع تغير السياقات السياسية والفكرية.
وفي انتقاله للحديث عن «الاستشراق الجديد»، أوضح عبد الله إبراهيم أن ملامحه بدأت بعد الحرب العالمية الثانية وتبلورت بقوة منذ منتصف السبعينيات، في ظل حركات التحرر الوطني وتراجع الاستعمار المباشر، إلى جانب صعود مناهج النقد التاريخي المقارن التي طُبقت أولًا على النصوص اليهودية والمسيحية، ثم امتدت لدراسة النصوص الإسلامية. وبيّن أن هذا التيار ركز على «الإسلام المبكر»، وشكك في المصادر العربية بدعوى تأخر تدوينها، وذهب بعض منظريه إلى فرضيات تصل إلى إنكار «الحدث الإسلامي» وربط نشأة الإسلام بسياقات سياسية لاحقة.
من جانبه، ربط الدكتور محمود الضبع بين الاستشراق الجديد والواقع العربي الراهن، مؤكدًا أنه لم يعد مجرد نقاش أكاديمي، بل أصبح خطابًا ذا تجليات سياسية وثقافية، يعيد إنتاج صورة العجز والتبعية. وتوقف عند أطروحة «صدام الحضارات»، معتبرًا أن جوهرها موجّه نحو الحضارة الإسلامية، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر التي نقلت الخوف من الإسلام من المجال الفكري إلى المجال الأمني والثقافي.
وحذر الضبع من اعتماد الاستشراق المعاصر على ما وصفه بـ«الثالوث الناعم»: التكنولوجيا، ومجتمع المعرفة، وعلم النفس السلوكي، مشيرًا إلى أن هذه الأدوات تُستخدم لإعادة تشكيل الوعي عبر الإعلام والسينما ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يرسخ صورًا نمطية خطيرة. كما نبه إلى خطورة تراجع اللغة العربية في بعض المؤسسات التعليمية، معتبرًا أن ضرب اللغة يمثل مدخلًا لتفكيك الهوية.
وفي تعقيبه بصفته مدير الندوة، قدّم الدكتور شوكت المصري رؤية مكملة، مؤكدًا أن الاستشراق الجديد لا يتحرك فقط داخل الجامعات الغربية، بل يجد امتداداته داخل العالم العربي من خلال مراكز بحثية وإعلامية تموّل كتابًا ومفكرين عربًا. وقال إن بعض هذه الأطروحات تتقاطع مع فكرة «الديانات الإبراهيمية» بوصفها مدخلًا لحل أزمات مفترضة، لكنها – بحسب وصفه – تقوم على خلل في فهم بعض النصوص الدينية وإعادة تأويلها خارج سياقاتها.
وأوضح أن هذا الخطاب لا يستهدف الإسلام وحده، بل يشمل المسيحية أيضًا في سياق الشرق الأوسط، ويرتبط بدعوات نقد التراث الديني والتيارات المشككة في الموروث، مؤكدًا أن خطورته تكمن في تغليفه بخطاب إنساني وثقافي يبدو ظاهريًا تصالحيًا.
وعاد الدكتور عبد الله إبراهيم ليؤكد أن بعض اتجاهات الاستشراق الجديد تجاوزت التشكيك في تدوين التراث، إلى إنكار الوجود التاريخي للنبي محمد ﷺ وربط الظاهرة الإسلامية بسرديات أقدم، معتبرًا أن المواجهة الفكرية مع هذا التيار ضرورة ملحّة.
واختتمت الندوة بالتأكيد على أن المواجهة لا تكون بالرفض الانفعالي، بل بالفهم والترجمة وبناء وعي نقدي. ودعا شوكت المصري إلى ترجمة الأعمال المؤسسة لهذا التيار، مشيرًا إلى تجربته في تحرير كتاب مترجم حول توظيف النصوص الدينية في الصراعات، مؤكدًا أن فهم الخطاب قبل الحكم عليه يمثل الخطوة الأولى في أي مواجهة معرفية حقيقية.

زر الذهاب إلى الأعلى