جمال رشدي يكتب : مصطفى بكري.. الطالب والأستاذ.. رمزٌ وطنيٌّ لا ينطفئ بريقه

توقفتُ طويلاً أمام هذا المشهد الإنساني البديع والفريد.. حين نرى رُبّان الكلمة، وصوت الشارع النابض، وصاحب التاريخ البرلماني والإعلامي العريق، يرتدي عباءة “الطالب” بشغف الشغوفين وإصرار الشباب، ليتوج مسيرته الحافلة بنيله درجة الماجستير في إدارة المخاطر والأزمات بتقدير “امتياز” من جامعة القاهرة، ليجسد أمام أعيننا ملحمة متجددة عنوانها: “الطالب والأستاذ”.
أعرف أخي وصديقي مصطفى بكري عن قرب، وأعتز بعمق هذه الصداقة اعتزازاً بليغاً، فهو بالنسبة لي رمزٌ وطنيٌّ متكامل الأركان؛ هو الصعيدي الجدع الشهم، ابن البلد الأصيل وشيخ العرب، والكاتب المثقف النفاذ بفكره إلى عمق الأحداث، والبرلماني القدير شيخ البرلمانيين المصريين والعرب، والإعلامي الفصيح المؤثر في إطلالته، وهو قبل كل ذلك المواطن البسيط المتواضع، ابن النجع والريف والحارة المصرية.
إن مصطفى بكري شخصيةٌ تدعو للتأمل والإكبار؛ فكيف لرجلٍ تجاوز السبعين من عمره أن يظل متوهجاً بلا خبو، متصدراً المشهد في كافة مضامينه السياسية والإعلامية والصحفية؟ إنه نسيجٌ فريدٌ من التأثير الوطني لم ينطفئ بريقه لحظة؛ فمنذ عهد السادات، مروراً بمبارك وعصر الإخوان وصولاً إلى وقتنا الحاضر، يظل بكري رقماً صعباً وحضوراً طليعياً فارقاً.
لقد شُنّت ضده – وما زالت – حملاتٌ عاتية من خفافيش الظلام وأنصاف المثقفين، معزوفين بـ”اتهامٍ” كلاسيكي جاهز بأنه “رجل كل العصور”.. دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء التفكير: كيف حافظ هذا الرجل على ثقل حضوره وتأثيره عبر كل تلك التحولات؟ والجواب يكمن في صدق الانتماء وثبات المبدأ.
على مدار الساعة، تجده حاضراً بتركيزه النافذ وشهامته الفطرية؛ هاتفه لا ينقطع، تجيبه يرد على سيدة فقيرة، أو يمد يده لمظلوم، يستمع بإنصات ويتحرك بفاعلية. وحين سألته ذات يوم بحكم ما بيننا من إخاء: “كيف ولماذا تحتمل كل هذا الجهد؟”.. جاءني رده النابض بالوفاء: “هؤلاء هم أهالينا.. وهؤلاء هم أصلنا”.
ظهر الكثيرون واختفوا، وابتلعت دوامَة السياسة وجوهاً ورحلت بأخرى، وبقي مصطفى بكري شاخصاً في صدر المشهد الوطني والسياسي، شاهداً أميناً على العصر وتاريخه القريب والبعيد.
وخلال سنوات عيشي خارج الوطن في دول الخليج، لمستُ بنفسي كيف يحظى الرجل بمحبةٍ واحترامٍ استثنائيين؛ إذ ينظرون إليه كمقاتلٍ ومناضلٍ عروبي ناصري، يترقبون تصريحاته، ويستندون إلى تحليلاته كعادتهم في احترام الكلمة الصادقة.
مصطفى بكري هو صوت هويةٍ صارخ من عمق التاريخ، تتجلى فيه ملامح “الصعيدي الجواني”؛ حيث تسكن الشهامة والرجولة تجاعيد وجهه الصارم، وتنساب في ملامحه مياه النيل فتطوي تعاريج الزمان وتمنحه نضارة الشباب المتجدد.
ختاماً، لم يعرف الرجل يوماً معنى الاستسلام لشيخوخة العمر أو الفكر؛ فهو المؤرخ والمفكر وعميد البرلمانيين وشيخ الصحفيين، وكان طبيعياً جداً أن يقف اليوم طالباً حاصلاً على الماجستير أمام أساتذةٍ هم في جوهر المعنى تلاميذُ لمدرسته الوطنية الكبرى. هنا يكمن سر العظمة والشموخ في تجربة هذه الظاهرة الوطنية الفذة.










