محمد محمود عيسى يكتب : خطبة الجمعة الموحدة وجدوى الخطاب الديني

نعيش في كل جمعة موضوع خطبة جديد تقره وزارة الأوقاف وتقوم بتعميمه على الآئمة والخطباء في المساجد لكي يكون موضوع الخطبة موحدا في كل المساجد ولا أدري ما هي الأسس العلمية أو الشرعية التي على أساسها قامت وزارة الأوقاف بتقرير هذا الأمر وإلزام كل خطباء المساجد بموضوع واحد وخطبة واحدة وفي كل المساجد أيا كان موقعها الجغرافي وأيا كانت البيئة المجتمعية والثقافية والمادية والفكرية التي يقع في محيطها هذا المسجد ودعونا نناقش الأمر بهدوء ونقيم تجربة خطبة الجمعة الموحدة من خلال الواقع ومن خلال المجتمع والأهم من خلال استفادة الناس والمصلين من موضوع خطبة الجمعة الموحدة دعونا نسأل سؤالا واحدا هل كل أمام وخطيب مسجد مهيأ ثقافيا وفكريا ولغويا لكل موضوعات خطبة الجمعة الموحدة التي تقررها وزارة الأوقاف في كل المساجد وبمعني آخر هل المستوى الثقافي والمعرفي والفكري واللغوي لإمام مسجد الأزهر الشريف أو الحسين أو السيدة زينب أو إمام وخطيب أحد مساجد التجمع الخامس ومدينتي والرحاب وماونتن فيو والشيخ زايد وقطامية هايتس بنفس المستوى الثقافي والمعرفي والفكري والمعيشي لإمام وخطيب في مسجد آخر قرى ومدن الصعيد الجواني هناك قرى ومدن في صعيد مصر لايسمع بها أحد هل هناك رابط وجامع يربط بين المكانين على اختلاف مستوى المعيشة والانفاق والحياة الاجتماعية والمستوى المادي والمعرفي والثقافي وانعكاس كل ذلك على لغة وأسلوب وثقافة وفكر خطيب المسجد ناهيك عن الفرق أيضا بين المصلين في المناطق التي تقع فيها هذه المساجد وأيضا مستوى المصلين الثقافي والمعرفي والاجتماعي والفكري والذي يرتبط ارتباطا وثيقا وأصيلا بأن لكل مقام مقال أو لكل مقال مقام فإذا كان هذا التباين والاختلاف الكبير في ثقافة ومعرفة ولغة وفكر الخطيب والمتلقي فكيف أفرض عليهما معا موضوعا وخطبة واحدة يلقيها خطيب المسجد في القطامية هايتس ويلقيها خطيب المسجد في أحد المساجد بقرية نائية وبعيدة في إحدى محافظات الصعيد كيف يتم التوافق بين الأمرين أم أن الأمر هو مجرد سد خانة وتوقيع الأئمة في دفتر الخطبة يوم الجمعة والسؤال الأهم هل من قام بتقرير موضوع خطبة الجمعة الموحدة بحث عن إستفادة المصلين وبحث عن مشاكلهم وخصوصية مجتمعاتهم التي يعيشون فيها واختلاف هذه الخصوصية من مجتمع لآخر تبعا للبيئة والمجتمع والعادات والتقاليد عن مجتمع آخر بمعنى مختلف هل إمام المسجد يرصد المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع الذي يعيش فيه وبالتالي يختار أحد هذه المشاكل أو القضايا الراهنة التي تشغل الناس ويتناولها من المنظور الديني أم أنه ليس من صلاحية الإمام أن يتحدث عن مشاكل المجتمع الذي يعيش فيه ويلتزم بموضوع الخطبة الموحدة وإلا تعرض للمخالفة في أنه خرج عن موضوع خطبة الجمعة الموحدة المقررة من الوزارة وهل المشاكل التي يعاني منها المجتمع في الصعيد هي نفس المشاكل التي يعاني منها المجتمع في الشيخ زايد والقاهرة الجديدة ومدينتي والرحاب والتجمع الخامس كل مجتمع من هذه المجتمعات له خصوصيته وبيئته الثقافية الفكرية والمعرفية واللغوية وما يصلح مناقشته هنا قد لا يصلح طرحه ومناقشته هناك مع طبيعة تغير واختلاف المشاكل والقضايا التي تواجه المجتمع وخاصة في محافظات الصعيد والسؤال الذي نتوجه به إلى وزارة الأوقاف هل يتم تقييم تجربة خطبة الجمعة الموحدة وانعكاس أثرها على الناس في مدى تقييم نجاح الخطاب الديني أم أنها تجربة تتم بطريقة الدفع والأداء الذاتي والحكومي وتنفيذا لقرارات الوزارة ودعوني أستعرض معكم بعض موضوعات خطبة الجمعة الموحدة والمقررة من وزارة الأوقاف ومن موقعها الرسمي خطبة الجمعة لليوم كانت عن مخاطر الألعاب الالكترونية موضوع خطبة أخر عن الأمن الفكري استقرار مجتمعي ووطني موضوع آخر عن البيئة نعمة ربانية ومسئولية إنسانية ، جرائم التحرش الاليكتروني هذه بعض الموضوعات لخطبة الجمعة الموحدة ودعوني أناقش عنوانا واحدا من هذه العناوين موضوع الأمن الفكري هل هذا الموضوع الكبير والعنوان الضخم يصلح موضوعا لخطبة جمعة موحدة يتناوله الخطيب في عشرين دقيقة فقط وكيف يتناول خطيب الجمعة موضوع الأمن الفكري في هذه الدقائق المعدودة وهو موضوع كبير ومحل بحث في رسائل الدكتوراه ومراكز الأبحاث السياسية والاستراتيجية والمراكز البحثية التي تهتم بمناقشة مفهوم وسياسات أمن المجتمعات والشعوب كيف لخطيب الجمعة أن يناقش هذا الموضوع وبأي لغة وبأي ثقافة وبأي أسلوب وفي هذه الدقائق المعدودة وكيف لقرية فقيرة تعاني الظروف المعيشية القاسية وتعاني من تدني الخدمات وقلة الموارد والامكانيات ومن أهلها من يحتاج إلى وحدة صحية تعالجه أو مدرسة في قريته أو طريق مرصوف يصله ببقية المدن والمراكز الأخرى وكيف لشباب القرية وهم يعانون ظروف الفقر الشديدة والبحث عن فرصة عمل أو هجرة إلى الخارج كيف يقف خطيب المسجد بينهم ووسط هذه الظروف الصعبة القاسية ويحدثهم عن الأمن الفكري كيف لخطيب الجمعة وهو يصعد المنبر في قرية من صعيد مصر وقعت فيها جريمة قتل أو أخذ بالثأر وما أكثرها في قرى ومدن ومحافظات الصعيد وقد يصل عدد القتلى إلى أعداد كبيرة كيف لخطيب الجمعة أن يصعد المنبر وسط هذه الظروف البائسة الحزينة ويتحدث في موضوع الخطبة عن جرائم التحرش الالكتروني هل يناسب الموضوع مقتضيات الحال ويناسب المقام المقال وهل يناسب المقال المقام أم أن على الخطيب أن يلتزم بتعليمات وقرارات الوزارة
إذا كانت خطبة الجمعة إحدى ركائز الخطاب الديني وأهمها ومن المقومات الأساسية التي تعمل على تقويم سلوك المجتمع وتصحيح مفاهيمه الخاطئة فلكي تكون الخطبة وهي أداة الخطاب الديني الفاعلة ناجحة ومؤثرة في محيطها ومجتمعها لابد أن تكون مرتبطة بالواقع ملازمة له مقومة وناقدة ومصلحة لمشاكله وواضعة حلولا ناجزة وواقعية لقضاياه التي يعاني منها وأما أن تكون الأداة الفاعلة والمؤثرة في الخطاب الديني روتينية ووظيفية ووزارية وبعيدة كل البعد عن مناقشة قضايا وهموم الواقع فهي في هذه الحالة قد أصبحت أداة عديمة التأثير والفائدة
من الممكن أن تضع وزارة الأوقاف آلية جديدة وعصرية وحديثة لموضوع خطبة الجمعة وفق ضوابط محددة يلتزم بها الأئمة والخطباء ولكن هذه الضوابط تحدد الأطار العام للخطبة وتترك الأمر لكل إدارة أوقاف في كل مركز أن تضع بالاتفاق مع إمام المسجد موضوع خطبة الجمعة يختاره الإمام وفق الضوابط المحددة ويناقش من خلاله إحدى القضايا العامة التي يعاني منها مجتمعه أو تدخل في إطار بيئته الثقافية والجغرافية بأسلوب وطريقة ولغة تناسب جموع المصلين ويتحقق منها الهدف من الخطبة وهو الارتقاء بالسلوكيات العامة وزيادة الوعي وتنمية المجتمع والحفاظ على الوطن لكن أن تكون هناك خطبة جمعة موحدة وفي كل المساجد فقد تحولت الخطبة بهذا التوحد إلى أداة وظيفية وروتينية ووزارية قليلة الفائدة وعديمة الأثر










