مقالات الرأى

جمال رشدي يكتب: لماذا يتحرك الجيش المصري خارج الحدود الآن؟

لم يكن تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن طلب تفويض البرلمان لإرسال قوات مصرية خارج الحدود مجرد رد فعل لظرف طارئ، ولا استجابة سريعة لحماية أمن المملكة العربية السعودية الشقيقة. كما أن القرار لم يولد عقب زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة؛ بل إن هذا التحرك – بتوقيته ومكانه ومداه – تم إعداده داخل أروقة الدولة المصرية منذ سنوات. فاختزال الأمر في زاوية الدفاع عن السعودية وحدها يظلم جوهر الفكرة ويطمس عمقها المتعلق بالأمن القومي العربي كاملاً.
ما يشهده الإقليم منذ أحداث 2010 ليس إلا تمهيداً ميدانياً للخطوات الأخيرة من مخطط “الشرق الأوسط الجديد”، أو بمعنى أوضح: إحياء مشروع “إسرائيل الكبرى”. وفي قلب هذه التدافعات، كانت مصر وما زالت هي الهدف النهائي؛ فكل ما يجري في الحزام المشتعل حول الحدود المصرية ليس إلا زحفاً هادئاً لنقل المواجهة الفاصلة إلى الداخل المصري.

كان الهدف من إشعال هذا الحزام استدراج مصر لجرها إلى مستنقع يستنزف جيشها واقتصادها، إلا أن صانع القرار الإستراتيجي اختار “الصبر الاستراتيجي” وإدارة الأزمة بطول نفس، لينتهي الأمر بإنهاك المخطط وتفكيك أدواته دون الوقوع في الفخ.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال هام: لماذا لم تتجه مصر بثقلها أولاً نحو القرن الأفريقي لمواجهة هذا المخطط، خاصة مع وجود أخطر أدواته المتمثلة في “سد النهضة”؟
الحقيقة أن مصر منتشرة بالفعل هناك وتحاصر الملف دبلوماسياً وعسكرياً؛ لكن القراءة الاستراتيجية للقاهرة أدركت أن المركز الحقيقي للمخطط يكمن في الشرق المصري القريب والبعيد. فهناك تتجمع النواة الصلبة لمشروع “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات والقائمة على مسار إبراهيمي يمتد من العراق عبر تركيا وسوريا والأردن ولبنان ودول الخليج، مع محاولة ضم مصر أو استبعادها بحسب حالتها. ولهذا اتجهت مصر لشرقها لحصار بقايا هذا المشروع واجتثاثه؛ فالسيطرة على المركز وهزيمته ستسقط أدواته تباعاً – ومنها سد النهضة – دون مجهود عسكري مباشر.

والآن، وضعت القاهرة نقطة البداية لمرحلة جديدة، وتحركت خارجياً في المكان والتوقيت المناسبين لمواجهة التهديد في مهده. وهذه المواجهة ليست بالضرورة صداماً مستمراً، بقدر ما هي تفعيل لـ “مهابة القوة المصرية” الكفيلة بتطويق الأزمة وإجبار أطراف المخطط على التراجع أمام معادلات الردع الجديدة.

إن المخطط الذي أراد للمنطقة نظاماً إقليمياً ضعيفاً يخضع لقيادة إسرائيلية يتحول اليوم إلى مسار تقوده مصر لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. وقد أيقنت دول الخليج أن الصراع الشكلي على الزعامة كان طعماً لإحداث شرخ عربي يدفع الجميع للارتماء في أحضان إسرائيل.
ستحضر القوات المصرية في نقاط مفصلية لتأمين الاستقرار، وإنهاء الصراعات العربية بلغة الدبلوماسية المستندة إلى هيبة السلاح، لتطرح مصر نفسها كبديل قومي للقوة الأمريكية التي لم تستهدف سوى حماية أمن إسرائيل.

وفي هذا المشهد المتغير، ليس مستبعداً انضمام إيران لمنظومة أمنية إقليمية جديدة تقوم على احترام المقدسات وأمن الخليج، لقيادة شرق أوسط بأجندات إقليمية خالصة؛ وهو ما سيسرع من انحسار النفوذ الأمريكي، ليحل محله النفوذ المصري كركيزة وحيدة قادرة على صيانة الاستقرار والعبور بالمنطقة إلى بر الأمان.

زر الذهاب إلى الأعلى