مقالات الرأى

د. ماهيتاب صلاح الدين تكتب: الخريطة الالمانية في يد نتنياهو.. من يرسم مستقبل الشرق الاوسط؟

ليست اخطر الخرائط تلك التي ترسم حدود الدول.. بل تلك التي تعيد توزيع ادوارها.. فحين تظهر اسرائيل في قلب محور اقليمي.. وتنتظم حولها دول وقوى في دوائر من النفوذ.. لا يعود السؤال مجرد من يقف مع من.. بل من يريد ان يرسم قواعد اللعبة.. ومن يملك حق تقرير شكل الشرق الاوسط المقبل.

في الثامن عشر من اكتوبر.. وقبل ايام من الانتخابات الاسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من الشهر.. عرض بنيامين نتنياهو تصوره الجديد للامن القومي.. مستندا الى دروس الحرب التي اعقبت هجوم السابع من اكتوبر 2023.. وظهرت في العرض خريطة للتحالفات الجيوسياسية تحمل شعار مؤسسة فريدريش ايبرت الالمانية.. التي نشرتها في مايو 2026 ضمن تحليل للتحولات الاقليمية.. لم تكن الخريطة من اعداد نتنياهو.. لكن ظهورها في عرضه الامني منحها دلالة سياسية تستحق التوقف عندها.

تقسم الخريطة المشهد الى ثلاثة محاور رئيسية.. محور ازرق يجمع اسرائيل والامارات.. ومحور اخضر يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان تحت مسمى “التحالف الماسي السني”.. ومحور احمر يرتبط بايران والقوى المتحالفة معها في ساحات اقليمية متعددة.. لكن هذه التصنيفات لا تعني اننا امام تحالفات عسكرية رسمية مكتملة.. ولا ان الدول المدرجة في كل محور تتحرك وفق ارادة واحدة.

فالالوان ليست لب القصة .. بل ربما تكون اقل اجزاء الخريطة اهمية.. فمصر ليست السعودية.. وتركيا ليست باكستان.. والمصالح الاقليمية لا تختزل في لون واحد.. الاهم هو ما تكشفه الخريطة عن صراع على النفوذ.. ومحاولات اعادة ترتيب العلاقات في منطقة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها كافية لتفسير حركة الدول.

هنا تلتقي الخريطة مع عقيدة نتنياهو الامنية.. فالمسألة لم تعد مجرد حماية الحدود او ردع الخصوم.. بل ترسيخ اسرائيل باعتبارها قوة اقليمية قادرة على المبادرة وتغيير موازين المواجهة.. وتتضمن المبادئ التي عرضها اولوية الضربات الاستباقية.. واقامة مناطق عازلة عند الحاجة.. وتعزيز الاستقلال في انتاج السلاح.. والحفاظ على التفوق التكنولوجي.. وتوسيع التحالفات الاقليمية.

انها رؤية لدولة تريد ان تقلل القيود المفروضة على حركتها.. وان تحتفظ بالقدرة على اختيار توقيت المواجهة ومكانها.. لكن هنا تبدأ المسافة بين الطموح والواقع.. فامتلاك القدرة على توجيه ضربة لا يعني امتلاك القدرة على تحديد ما سيحدث بعدها.. تستطيع القوة العسكرية تدمير بنية او اضعاف خصم او فرض معادلة مؤقتة.. لكنها لا تضمن ولاء الحلفاء.. ولا تصنع نظاما اقليميا مستقرا.. ولا تمنع ظهور خصوم جدد.

فالشرق الاوسط ليس رقعة شطرنج صامتة تنتظر حركة اللاعب الاقوى.. كل دولة تتحرك وفق مصالحها ومخاوفها وحساباتها الداخلية.. وقد تتقاطع مصالحها مع اسرائيل في ملف ثم تصطدم بها في ملف اخر.. وحتى التقارب الذي تصوره الخريطة لا يعني ان اطرافه تخلت عن خلافاتها.. او انها ستقبل ان يصبح امن اسرائيل معيارا يحدد اولويات المنطقة كلها.

لكن الوثيقة لم تواجه انتقادات المعارضة بوصفها تصورا استراتيجيا فحسب.. بل تحولت الى ساحة للمواجهة الانتخابية.. فقد سخر يائير لابيد.. زعيم المعارضة.. من الوثيقة ووصفها بانها سطحية وغريبة.. قائلا انها تبدو كما لو كتبها روبوت محادثة بالنسخة المجانية.. غير ان اعتراضه لم يقف عند اللغة.. فقد اشار الى التناقض بين حديث نتنياهو عن التفوق العسكري واعفاء اليهود المتشددين دينيا من الخدمة العسكرية.. وبين التشديد على الاستعداد الاستخباراتي ورفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في اخفاقات السابع من اكتوبر.. وكذلك بين الدعوة الى تعزيز التحالفات الاستراتيجية وتدهور مكانة اسرائيل الدولية.. وطرح لابيد تصورا بديلا يتضمن تجنيد عشرين الفا من اليهود المتشددين خلال عامين.. وتشديد المواجهة مع ايران.. وابعاد تركيا وقطر عن ترتيبات اليوم التالي للحرب في غزة.

اما جدعون ايزنكوت.. رئيس الاركان الاسرائيلي السابق وزعيم حزب يشار.. فكان اعتراضه اكثر مباشرة.. وصف الوثيقة بانها “صفحتان فارغتان مليئتان بالشعارات”.. واتهم نتنياهو بترك فراغ استراتيجي في سياسة الامن الاسرائيلي.. واستند ايزنكوت الى ما اعتبره اخفاقا في تحقيق اهداف الحرب التي حددها نتنياهو نفسه.. ومنها تفكيك القدرات العسكرية والحكومية لحماس.. وردع حزب الله والتهديدات على الجبهة الشمالية.. والحفاظ على الاستقرار في الضفة الغربية.. وتعزيز الوحدة الوطنية.. ووعد بان تعمل حكومة بقيادته على اقرار استراتيجية امن قومي خلال مئة وخمسين يوما من توليها السلطة.

وانضم نفتالي بينيت الى الانتقادات بسؤال ساخر عما اذا كانت هذه عقيدة اسرائيل الامنية ام عقيدة قطر.. في اشارة الى ما اعتبره تناقضا بين الخطاب الامني وسياسات الحكومة.

هذه الاعتراضات لا تثبت وحدها ان الوثيقة بلا قيمة.. فهي مواقف صادرة عن خصوم نتنياهو السياسيين.. لكنها تكشف المعضلة التي يحاول عرضه الامني تجاوزها.. كيف يمكن الحديث عن عقيدة جديدة من دون حسم الحساب مع اخفاق السابع من اكتوبر؟ وكيف يصبح التفوق العسكري دليلا على النجاح الاستراتيجي.. بينما لا تزال نتائج الحرب واهدافها موضع خلاف؟

لا يمكن اختزال عقيدة نتنياهو في الدعاية الانتخابية.. كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها خطة تفصيلية مكتملة لمستقبل المنطقة.. انها تعلن اتجاها واضحا.. اسرائيل تريد الاحتفاظ بحرية المبادرة.. وتوسيع قدرتها على الردع والهجوم.. وتعزيز موقعها داخل شبكة من العلاقات الاقليمية والدولية.. لكن الاعلان عن الطموح لا يساوي تحقيقه.. والتفوق في ميدان القتال لا يمنح صاحبه حقا تلقائيا في رسم مستقبل الاخرين.

في النهاية.. تكشف الخريطة صراعا على من يملك تعريف التوازن في الشرق الاوسط.. لا عن نتيجة محسومة لهذا الصراع.. قد ترى اسرائيل نفسها في قلب المشهد.. وقد تسعى الى تحويل قوتها العسكرية والتكنولوجية الى نفوذ يتجاوز حدودها.. لكن الدول الاخرى ليست الوانا على ورقة.. والمنطقة ليست مساحة فارغة تنتظر من يعيد ترتيبها.

ان ترى اسرائيل نفسها في قلب الشرق الاوسط لا يعني انها اصبحت مركزه.. وان تمتلك القدرة على تغيير قواعد اللعبة لا يعني انها تستطيع ان تكتب وحدها نهايتها.

زر الذهاب إلى الأعلى