السيد خلاف يكتب: القاهرة وطهران أمام اختبار تاريخي.. هل تعيد السعودية رسم خريطة التحالفات وتُربك حسابات ترامب ونتنياهو؟

من استعداد مصر للدفاع عن السعودية إلى انفتاح إيران على حلف مكة والوساطة مع الحوثيين.. هل نحن أمام مصادفة سياسية أم بداية تحول استراتيجي يعيد تعريف أمن المنطقة؟
لم يكن إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن المملكة العربية السعودية، إذا طلبت الرياض ذلك، مجرد رسالة تضامن عربية في لحظة شديدة الاضطراب، بل حمل دلالات استراتيجية تتجاوز حدود التصريح نفسه، خصوصًا مع طلب عقد جلسة طارئة لمجلس النواب للحصول على التفويض اللازم للتحرك إذا استدعت الظروف ذلك.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، وتتعرض فيه حسابات الأمن الإقليمي لاختبار بالغ الخطورة، جاء الموقف المصري ليضع معادلة واضحة: القاهرة لا تبحث عن حرب، لكنها لا تقبل أن يصبح أمن السعودية واستقرارها موضع تهديد.
وهنا تبدأ القراءة السياسية الأعمق.
فبعد أن كانت الأنظار تتجه إلى احتمالات اتساع المواجهة العسكرية، برزت تحركات إيرانية تتحدث عن الانخراط في ترتيبات إقليمية، وعن إمكانية معالجة الأزمة اليمنية عبر السياسة بدلًا من توسيع العمليات العسكرية. وسبق أن أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، في الثاني من أكتوبر الجاري، أن طهران طرحت فكرة إشراك الحوثيين في مسار سياسي، موضحًا أن الأمر كان مقترحًا للنقاش، وليس عرضًا مكتوبًا ونهائيًا. كما نقلت وسائل إعلام عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استعداد طهران للانضمام إلى حلف مكة.
وهكذا، يبرز مشهد يستحق التوقف أمامه: مصر تعلن استعدادها للدفاع عن السعودية، وإيران تطرح مسارًا سياسيًا لاحتواء الأزمة اليمنية، فيما تجد الرياض نفسها أمام ضرورة الموازنة بين متطلبات الردع العسكري وفرص التسوية السياسية.
فهل نحن أمام تحركات منفصلة فرضتها خطورة اللحظة؟ أم أن المنطقة بدأت تتحرك، بصورة متزامنة، نحو إعادة ترتيب علاقاتها تحت ضغط مخاطر الحرب؟
أولًا: القاهرة لم تضع قواتها في مواجهة أحد.. لكنها أعادت تثبيت معادلة الأمن العربي
تكمن أهمية الموقف المصري في الصيغة التي اختارتها القاهرة لإعلان استعدادها للتحرك.
فالرئيس السيسي لم يعلن قرارًا بخوض حرب مفتوحة، ولم يطرح تدخلًا عسكريًا هجوميًا، وإنما ربط التحرك بطلب سعودي وبالإجراءات الدستورية اللازمة، مؤكدًا أن مصر لا تسعى إلى الاعتداء على أحد، وإنما تتحدث عن الدفاع عن المملكة.
وهذا فارق جوهري في الحسابات الاستراتيجية.
فالقاهرة، بهذا الموقف، تضع قدرتها العسكرية والسياسية في سياق حماية دولة عربية ترتبط بأمن مصر ومصالحها بعلاقات استراتيجية عميقة، من دون أن تمنح الآخرين شيكًا على بياض لتوسيع الحرب أو جر المنطقة إلى مواجهة غير محدودة.
إن الرسالة المصرية تحمل ثلاثة أبعاد متداخلة.
البعد الأول يتعلق بأمن السعودية ذاتها، باعتباره عنصرًا مؤثرًا في استقرار الخليج والتوازن العربي.
والبعد الثاني يرتبط بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وهما ليسا مجرد ممرين بحريين بعيدين عن الحسابات المصرية، بل يمثلان امتدادًا مباشرًا للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية، بما فيها حركة التجارة الدولية وإيرادات قناة السويس.
أما البعد الثالث فيتعلق بمكانة مصر في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. فالدولة التي تملك ثقلًا عسكريًا وسياسيًا، وتقع عند ملتقى البحرين الأحمر والمتوسط، لا يمكن تجاهلها في صياغة منظومة أمن إقليمي جديدة.
ومن هنا، لا ينبغي قراءة التحرك المصري بوصفه اصطفافًا آليًا في حرب ضد إيران، وإنما باعتباره إعلانًا عن حدود الأمن المصري والعربي، وعن استعداد القاهرة للمشاركة في حماية السعودية إذا انتقل التهديد إلى مستوى يستوجب التدخل.
وهذا ما يمنح الموقف المصري أهميته: إنه يحدد الالتزام، لكنه يترك القرار العسكري الفعلي خاضعًا لشروطه السياسية والدستورية والميدانية.
ثانيًا: هل استشرفت القاهرة ما هو أبعد من المواجهة العسكرية؟
السؤال الذي يستحق البحث ليس ما إذا كانت القاهرة قد توقعت كل تفاصيل التطورات الحالية، وإنما ما إذا كانت قد أدركت مبكرًا أن التصعيد في اليمن يمكن أن يتحول إلى أزمة أوسع تهدد أمن الخليج والبحر الأحمر معًا.
فإذا انحصرت الأزمة في مواجهة عسكرية بين السعودية والحوثيين، فستكون التداعيات خطيرة على المملكة واليمن. أما إذا تحولت إلى صراع إقليمي مفتوح تتداخل فيه إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وقوى إقليمية أخرى، فإن النتائج ستتجاوز حدود اليمن بكثير.
في هذه الحالة، لن تكون مصر بعيدة عن مسرح الأحداث، حتى إن لم تشارك بقواتها؛ لأن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب يمكن أن ينعكس على التجارة الدولية وقناة السويس، كما أن اتساع المواجهة قد يفرض على القاهرة إعادة حساباتها الأمنية والاقتصادية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية إعلان القاهرة استعدادها للدفاع عن السعودية، بالتزامن مع التشديد على أن مصر لا تسعى إلى الحرب.
فالقاهرة تثبت التزامها تجاه الرياض، لكنها لا تغلق الباب أمام الحل السياسي، ولا تجعل التدخل العسكري غاية في حد ذاته.
وإذا كان هذا التحرك قد سبق الإعلان الإيراني عن الاستعداد للانضمام إلى حلف مكة، فإن التزامن يطرح سؤالًا مشروعًا عن مدى وجود اتصالات أو تفاهمات خلف الكواليس.
لكن الإنصاف السياسي يقتضي التمييز بين احتمال التنسيق وبين ثبوته.
حتى الآن، لا تتوافر أدلة علنية كافية تثبت وجود تنسيق مصري إيراني مسبق بشأن هذه التحركات. وقد يكون ما نراه نتيجة تقديرات استراتيجية متقاربة لمخاطر التصعيد، أو نتيجة قنوات دبلوماسية تعمل على احتواء الأزمة، أو مزيجًا من الأمرين.
ومع ذلك، فإن عدم ثبوت التنسيق لا يلغي حقيقة أن الموقفين المصري والإيراني يفتحان مساحة سياسية مختلفة عن المسار الذي يختزل الأزمة في المواجهة العسكرية.
ثالثًا: لماذا تفتح طهران باب حلف مكة في هذا التوقيت؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المشهد.
فحلف مكة للدفاع المشترك، الذي أُعلن بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026، يقوم على مبدأ اعتبار الاعتداء المسلح على أحد أعضائه اعتداءً على الأعضاء الآخرين.
وفي الثاني من أكتوبر، نقلت وكالة رويترز عن وزير الخارجية الباكستاني أن إيران اقترحت إشراك الحوثيين سياسيًا، وأن الدول الثلاث ستبحث المقترح في إطار التعامل مع الأزمة. وشدد المسؤول الباكستاني آنذاك على أن المقترح لم يكن عرضًا رسميًا مكتوبًا، بل فكرة مطروحة للنقاش.
ثم ظهرت تقارير عن استعداد الرئيس الإيراني للانضمام إلى الحلف نفسه.
إذا تأكد أن طهران تريد بالفعل الانضمام إلى هذا الترتيب الدفاعي، فإن السؤال لن يكون متعلقًا بمجرد إضافة دولة جديدة إلى تحالف قائم، بل بطبيعة التحول الذي يمكن أن يطرأ على مفهوم الأمن الإقليمي.
فإيران، التي ظلت علاقاتها بالسعودية محكومة بمزيج من التنافس الاستراتيجي والشكوك المتبادلة، ستكون أمام اختبار حقيقي: هل تقبل بمنظومة أمنية تقوم على احترام سيادة الدول الأعضاء وعدم الاعتداء عليها، أم تريد فتح قناة سياسية لتخفيف الضغوط المحيطة بها؟
ولفهم التحرك الإيراني، ينبغي وضع عدة احتمالات على الطاولة.
الاحتمال الأول: محاولة احتواء خطر المواجهة المباشرة.
قد ترى طهران أن اتساع الهجمات الحوثية على السعودية، بالتزامن مع الحرب الأوسع في المنطقة، يمكن أن يدفع الرياض إلى الانخراط في ترتيبات عسكرية أشد صرامة ضدها. ومن ثم، فإن فتح الباب أمام الوساطة والانضمام إلى إطار إقليمي قد يوفر لها فرصة لتقليل احتمالات التصعيد.
الاحتمال الثاني: منع تشكل جبهة إقليمية معادية لها.
إذا تحولت الترتيبات الدفاعية السعودية التركية الباكستانية إلى نواة لتحالف أوسع، فقد تجد إيران نفسها أمام معادلة صعبة. وقد يكون الانفتاح على الحلف محاولة لتجنب عزلتها، أو لمنع تحوله إلى أداة للمواجهة معها.
الاحتمال الثالث: نقل الصراع من الميدان إلى طاولة التفاوض.
فإعلان الاستعداد للوساطة في الأزمة اليمنية قد يسمح لطهران بتقديم نفسها طرفًا قادرًا على المساهمة في وقف التصعيد، بدلًا من أن تبقى علاقاتها بالملف اليمني محصورة في الاتهامات المتعلقة بدعم الحوثيين.
لكن هذه الاحتمالات تظل تفسيرات سياسية، وليست حقائق مثبتة بشأن النيات الإيرانية.
والأهم أن اختبار جدية طهران لن يكون في التصريحات وحدها، وإنما في قدرتها على المساعدة في وقف الهجمات، واحترام أمن السعودية، ودعم مسار سياسي قابل للاستمرار في اليمن.
رابعًا: هل تسعى إيران إلى إرباك حسابات ترامب ونتنياهو؟
من الطبيعي أن يثير أي تقارب إقليمي جديد تساؤلات بشأن تأثيره على حسابات واشنطن وتل أبيب.
لكن ينبغي هنا الابتعاد عن فكرة أن مجرد إعلان إيران استعدادها للانضمام إلى حلف مكة يعني أنها نجحت بالفعل في إفشال خطط أمريكية أو إسرائيلية.
الأدق أن نقول إن مثل هذا الانفتاح، إذا تحول إلى مسار جاد، يمكن أن يعقد الحسابات الاستراتيجية للأطراف التي تراهن على استقطاب إقليمي حاد بين إيران وخصومها.
فإذا بقيت السعودية وإيران في حالة مواجهة مستمرة، فإن فرص بناء ترتيبات أمنية شاملة ستظل محدودة، وسيبقى خطر تحول الخلافات إلى مواجهات متكررة قائمًا.
أما إذا أمكن التوصل إلى تفاهمات بشأن أمن السعودية واليمن والملاحة البحرية، فقد يصبح من الأصعب التعامل مع المنطقة باعتبارها معسكرات متقابلة لا مساحة بينها للتفاوض.
وهنا تكمن الدلالة الاستراتيجية المحتملة.
فواشنطن تمتلك مصالح أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة في الخليج، وإسرائيل تتابع بدورها أي تحول في موازين القوى الإقليمية. لكن وجود مصالح أمريكية وإسرائيلية في بنية الأمن الإقليمي لا يكفي وحده لإثبات أن كل تصعيد يجري وفق مخطط موحد أو أن هناك خطة محددة لإشعال حرب شاملة.
المسألة الأكثر أهمية هي أن دول المنطقة تستطيع، إذا امتلكت الإرادة السياسية، توسيع هامش حركتها وعدم حصر أمنها في خيار واحد.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن العلاقات الدولية أو التحالفات القائمة، بل يعني ألا تتحول تلك العلاقات إلى بديل عن التفاهمات الإقليمية التي تمنع الحرب وتحمي المصالح المشتركة.
خامسًا: السعودية أمام اختبار مزدوج.. الردع العسكري أم فتح باب التسوية؟
تجد الرياض نفسها أمام معادلة معقدة.
فالهجمات التي تستهدف المطارات والمنشآت النفطية والبنية التحتية لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفصيلًا عابرًا، لأنها تمس أمن المواطنين واستقرار الاقتصاد السعودي وقدرة المملكة على تنفيذ مشروعاتها التنموية.
ومن حق السعودية أن تطلب ضمانات عملية لحماية أراضيها ومنشآتها وممراتها الحيوية.
لكن السؤال الاستراتيجي هو: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها إنهاء التهديد الحوثي، أم أن تحقيق الأمن المستدام يحتاج أيضًا إلى تسوية سياسية تعالج جذور الصراع اليمني؟
لقد أظهرت سنوات الحرب أن امتلاك التفوق الجوي والتسليح لا يضمن وحدة حسم الصراعات المعقدة التي تتداخل فيها الجغرافيا والانقسامات المحلية وشبكات الدعم الخارجي.
كما أن الحوثيين ليسوا مجرد ورقة يمكن تحريكها بالكامل من الخارج؛ فلديهم حساباتهم ومصالحهم المحلية، حتى مع استمرار الاتهامات المتعلقة بالدعم الإيراني.
ومن ثم، فإن أي تسوية جادة لا بد أن تتعامل مع طرف يمني يمتلك قدرات عسكرية ونفوذًا على الأرض، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه تجاهل سيادة اليمن أو مصالح بقية القوى اليمنية.
وهنا يمكن أن تكون الوساطة الإيرانية مفيدة إذا أثبتت طهران قدرتها على التأثير في مسار التصعيد، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى تفويض مفتوح لها بتقرير مستقبل اليمن.
فالسلام لا يتحقق بمجرد تفاهم بين الرياض وطهران، وإنما يحتاج إلى عملية سياسية يمنية أوسع، وضمانات لوقف الهجمات، وترتيبات أمنية تحمي الحدود والملاحة، وتمنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الدول المجاورة.
الاختبار الحقيقي أمام الرياض ليس الاختيار بين القوة والدبلوماسية، بل القدرة على الجمع بين ردع الاعتداءات وفتح طريق واقعي لإنهاء الصراع.
سادسًا: القاهرة وطهران.. هل تفتح التطورات بابًا لتفاهم استراتيجي؟
هذا هو السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى مصر.
العلاقات المصرية الإيرانية لها تاريخ طويل من التباينات، كما أن لكل دولة حساباتها الخاصة في الخليج واليمن والبحر الأحمر. ولا يكفي تقاطع المواقف في لحظة واحدة للحديث عن تحالف جديد أو اتفاق استراتيجي.
لكن السياسة لا تقوم دائمًا على التطابق الكامل في المصالح؛ فقد تبدأ التفاهمات من نقطة محددة، مثل منع اتساع الحرب أو حماية الملاحة البحرية، ثم تتطور إلى ترتيبات أوسع إذا أثبتت نجاحها.
وإذا كانت القاهرة ترى أن أمن السعودية والبحر الأحمر جزء من أمنها القومي، وكانت طهران ترى أن احتواء الأزمة اليمنية يخدم مصالحها ويقلل مخاطر المواجهة، فإن مساحة الالتقاء بينهما تصبح ممكنة، ولو بصورة محدودة ومشروطة.
ولا يتطلب ذلك أن تتخلى مصر عن علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية، أو أن تتجاهل الخلافات مع إيران، كما لا يتطلب من طهران أن تتبنى جميع المواقف المصرية.
بل يتطلب وضع قواعد واضحة تمنع الاعتداءات، وتضمن حرية الملاحة، وتحترم سيادة الدول، وتتيح تسوية النزاعات عبر قنوات سياسية قابلة للتحقق.
وهنا قد تكون مصر مؤهلة للعب دور مهم، بحكم علاقاتها العربية وثقلها الإقليمي ومصالحها المباشرة في البحر الأحمر وقناة السويس.
لكن القاهرة لن تحتاج إلى إعلان تحالف جديد كي تمارس هذا الدور؛ فقد يكون التحرك الدبلوماسي الهادئ، بالتنسيق مع الرياض وإسلام آباد وأنقرة، أكثر فاعلية من إطلاق مبادرات لا تتوافر لها شروط النجاح.
أما الحديث عن وجود تنسيق مصري إيراني مسبق، فيبقى سؤالًا مفتوحًا يحتاج إلى أدلة، لا إلى استنتاجات مبنية على تزامن التصريحات وحده.
سابعًا: ماذا لو قبلت السعودية فتح المسار الإيراني؟
إذا قررت الرياض التعامل مع المقترحات الإيرانية بجدية، فلن يعني ذلك بالضرورة تغيير تحالفاتها أو التخلي عن التزاماتها الدفاعية.
فالتفاوض مع خصم أو منافس لا يساوي الثقة به، والوساطة لا تعني إسقاط المسؤولية عن الهجمات السابقة أو التنازل عن ضمانات الأمن.
يمكن للسعودية أن تتمسك بحقها في الدفاع عن أراضيها، وأن تستمر في بناء قدراتها الدفاعية، وفي الوقت نفسه تختبر ما إذا كانت طهران قادرة على تقديم مساهمة عملية في وقف التصعيد.
ولكي يكون هذا المسار ذا مصداقية، يمكن أن يبدأ بخطوات محددة:
وقف الهجمات الحوثية على المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية السعودية.
إنشاء قناة اتصال واضحة لمعالجة أي تصعيد ومنع سوء التقدير.
التحقق من جدية الجهود الإيرانية في دعم التهدئة، بدل الاكتفاء بالتصريحات.
إطلاق مسار سياسي يمني تشارك فيه الأطراف المعنية، ويعالج القضايا الأمنية والاقتصادية والسياسية.
حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وضمان عدم استخدام الممرات البحرية وسيلة للضغط على الدول أو الاقتصاد العالمي.
إذا تحققت هذه الخطوات، فقد يصبح الحوار أداة لتعزيز أمن السعودية بدلًا من أن يكون بديلًا عن حقها في الدفاع عن نفسها.
أما إذا استمرت الهجمات دون تغيير، فإن التصريحات الدبلوماسية ستفقد الكثير من قيمتها، وسيبقى الشك قائمًا بشأن قدرة طهران على تحويل وعودها إلى نتائج.
ثامنًا: هل تملك مصر فرصة لطرح معادلة أمن إقليمي جديدة؟
هنا نصل إلى جوهر الرؤية التي تستحق أن تتحول إلى مبادرة سياسية.
فبدل أن تظل المنطقة أسيرة معادلة تقوم على بناء تحالفات لمواجهة تحالفات أخرى، يمكن للقاهرة أن تعمل من أجل صياغة إطار إقليمي يربط بين الردع العسكري والتسوية السياسية.
إطار لا يطلب من السعودية التخلي عن أمنها، ولا يمنح إيران حصانة من المساءلة، ولا يسمح باستخدام اليمن منصة لتهديد دول الجوار، ولا يحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
ويمكن أن يبدأ هذا المسار بتنسيق مصري سعودي باكستاني تركي، مع فتح قنوات حوار مع إيران، وبمشاركة يمنية حقيقية، وبما يحفظ سيادة الدول ومصالحها المشروعة.
وفي هذا السياق، فإن الموقف المصري الأخير قد يوفر أساسًا دبلوماسيًا للتحرك، لكنه لا يكفي وحده لبناء منظومة أمنية جديدة. فذلك يحتاج إلى توافقات واضحة، وآليات تنفيذ، وضمانات متبادلة، وإرادة سياسية لدى الأطراف المعنية.
كما أن نجاح أي ترتيبات إقليمية لن يكون مرهونًا فقط بمواقف واشنطن أو تل أبيب، بل بقدرة دول المنطقة على الاتفاق على الحد الأدنى من قواعد الأمن المشترك.
فالأمن لا يتحقق بإقصاء كل طرف يختلف معنا، كما لا يتحقق بمنح الثقة بلا شروط. وإنما يقوم على المصالح المحددة، والالتزامات القابلة للتحقق، والتوازن الذي يمنع أي طرف من الاعتقاد بأنه يستطيع فرض إرادته بالقوة وحدها.
الخلاصة: ليست المسألة من فاجأ من.. بل من يستطيع منع الحرب؟
إن ما يجري يستحق قراءة تتجاوز العناوين التي تتحدث عن انتصار طرف أو إرباك طرف آخر.
فالموقف المصري يثبت استعداد القاهرة لمساندة السعودية دفاعيًا إذا طلبت الرياض ذلك، بينما تفتح التحركات الإيرانية، وفق ما نقلته التقارير، بابًا لاختبار إمكانية احتواء الأزمة اليمنية سياسيًا، في وقت تواصل فيه الرياض مواجهة تهديدات أمنية مباشرة.
لكن لا يوجد حتى الآن ما يكفي لإثبات أن القاهرة وطهران نسقت مسبقًا هذه التحركات، أو أن إيران أصبحت جزءًا من حلف مكة بالفعل، أو أن المبادرات المطروحة نجحت في تغيير حسابات واشنطن وتل أبيب.
ومع ذلك، فإن اللحظة تحمل فرصة سياسية لا ينبغي إهدارها.
فإذا استطاعت القاهرة توظيف علاقاتها وثقلها الإقليمي للدفع نحو تفاهمات تحمي السعودية، وتوقف الهجمات الحوثية، وتضمن أمن البحر الأحمر، وتفتح مسارًا سياسيًا يحفظ وحدة اليمن وسيادته، فإنها ستساهم في تحويل الأزمة من خطر يهدد الجميع إلى فرصة لإعادة التفكير في مستقبل الأمن الإقليمي.
أما إذا تحولت التحركات الحالية إلى مجرد رسائل متبادلة، بينما يستمر التصعيد على الأرض، فستظل المنطقة معرضة لدائرة جديدة من المواجهة، مهما ارتفعت نبرة التصريحات الدبلوماسية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القاهرة والرياض وطهران وأنقرة وإسلام آباد ليس من يستطيع توسيع دائرة نفوذه، بل من يستطيع وضع قواعد تمنع الحرب وتحمي مصالح شعوب المنطقة.
وهنا تحديدًا تكمن الفرصة التاريخية أمام مصر: أن تدافع عن أمن السعودية، وتحمي مصالحها في البحر الأحمر، وتتمسك باستقلال قرارها، وتفتح في الوقت نفسه أبواب الدبلوماسية أمام كل مسار جاد لوقف نزيف الدم.
فقد لا يكون أهم ما في هذه اللحظة أن إيران طرقت باب حلف مكة، أو أن مصر أعلنت استعدادها للدفاع عن السعودية؛ بل أن المنطقة باتت أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع دولها تحويل الخوف من الحرب إلى اتفاق على منعها؟
حفظ الله مصر والسعودية وسائر بلادنا من كل سوء، وحقن دماء الأبرياء، وجعل السلام والأمن والاستقرار طريقًا لشعوب المنطقة.









