مقالات الرأى

صفوت عباس يكتب: (للبحث عن الذات.. حتميه مواد الهوية)

اغلب الدول مازالت تحتفظ بزيها التقليدي حتي علي مستوي القاده وفي محافل دوليه وتحيي علمها وتحتفل بايامها الوطنيه ويوم نصرها وتعظم شعائرها واعيادها الدينيه… ذلك تمسكا بذاتها واحياءا لموروثها التاريخي والثقافي والديني.

كتب أحدهم على فيسبوك متشدقًا: «لم ولن نكون نسخة من أحد، العالم مليء بالنسخ، والعالم يحتاج الأصل». لو كان في حيز التباهي والفخر فهو على خطأ، وقد أصاب لو كان يقصد احتياج العالم إلى نُسخ معلومة واضحة المعالم والصفات والهوية_يبدو ان المتحدث شغوفا بالانساب_

في مجال الفخر، الغالبية يفتخرون بأنهم «بأصل وجذور عربية»، كناية – حسب قصدهم – عن النقاء وصفات الشجاعة والسياده والكرم. والبعض يتفاخر بأنه شريف، وآخرون يتفاخرون بأنهم أتراك أو شراكسة إن كان أجدادهم باشوات أو أغنياء مشهورين، أما إن كانوا من العامة أو الجنود فيصمتون. الناس يبحثون عن أصل هويتهم… الكل يبحث عن ذات متفرده تميزه.

في إحدى جلسات منتدى مصر ٢٠٢٦ ثار نقاش جاد بين السيد وزير التعليم والسادة ممثلي أو أولياء أمور تلاميذ المدارس الدولية بشأن قرار وزارة التعليم بتدريس ما أسمته «مواد الهوية» (اللغة العربية والتاريخ الوطني والتربية الدينية) ضمن مواد المجموع في تلك المدارس. احتج المعترضون بأنها عبء على تلاميذ تلك المدارس علاوة على مناهج بريطانية أو أمريكية أو فرنسية أو البكالوريا الدولية. وحسم السيد الوزير بالقول: «لن يوجد طالب في مصر لن يدرس مواد الهوية» – كما أسماها.

بطاقة الهوية هي شخص في بطاقة تحدد كل بياناته وتاريخ ميلاده وديانته وموطنه وملامح صورته وموطن إقامته. ومثلها لكل دولة مجموعة من الخصائص والسمات التي تنفرد بها وتميزها عن غيرها، وتحدد طابعًا خاصًا لها تُعرف به. سمات الهوية الوطنية للدول تتراوح من اللغة الخاصة بالدولة أو حتى اللهجة السائدة محليًا، علاوة على الرموز والقيم التي يتميز بها شعبها وسكانها. ولغة الدولة أهم سمات الهوية الوطنية، كونها وسيط اتصال ومعبرًا لنقل الثقافات والتعبير الفكري. وربما تعبر اللغة عن حلقة من تاريخ الدول عندما تنشر الدول الغازية لغتها في الدول التي احتلتها.

ومع اللغة يأتي التاريخ الوطني للدولة الذي يحفظ أحداثها القديمة والوسيطة والمعاصرة، ويشكل زادًا يستلهم منه الشعب فخار القوة والنصر وعبر الكبوات والانكسار، بما يشكل عنصرًا بالغًا في بناء شخصية الشعب. واختلاف التاريخ والحضارة هو ما يجعله صانعًا لسمات الهوية الوطنية ومحددًا لملامحها، حيث تراكم خبراته وعظاته عبر الأجيال تصطبغ به هوية الشعب المعاصر. ثم يأتي دين أغلبية الشعب أو طوائفه كعنصر حاكم صانع للقيم ومحدد لسلوك مفردات الشعب.

مجموعة سمات الأزياء والاحتفالات والطعام تعطي إشارة للعديد من الشعوب التي تشتهر بأنماط مميزة في طعامها وأزيائها، علاوة على الرموز الأثرية والتاريخية التي تعبر عن شعب دولة بعينها – الأهرام رمز عن مصر.

ربما استشعرت الدولة مؤخرًا حتمية الحفاظ على هويتها الوطنية، إذ أصبحنا بخليط أزياء، وحديث فئات معينة أغلبه بلغة غير عربية، وتحول شديد في الالتزام بالقيم المجتمعية والخلقية والدينية القويمة، بما يشكل استمراره شوائب تشوش صورة الهوية الوطنية المصرية وتهدد بضياعها . وعليه كان قرار الوزير بفرض تدريس مواد الهوية في المدارس الدولية التي تعد سمة في خريجيها الحديث بلغات أخرى مع شكل مغاير في المظهر العام والأزياء والتعلق التام بثقافات غريبة، الفارق ان تكون تلك المناهج مختصره ووافيه ومعبره.

أغلب الدول ذات الهوية القومية والدينية – مثل الدول العربية وتركيا وإيران ودولة الاحتلال ودول شرق آسيا وحتى أوروبا وأمريكا – تدرس تلك المواد حسب لغتها وتاريخها، مع بعض التخفيف في تدريس الدين في الدول الغربيه .

السادة أولياء أمور منتسبي المدارس الدولية بقدرات مالية تمكنهم من تعليم أبنائهم كليًا بالخارج، وعليهم أن يتركوا للبقية أن يدرسوا مواد تكرس لهوية وطنهم ما استطاعت لذلك سبيلاً، إذا أقصينا دور وسائل الاتصال كلها أو استطعنا ضبطه. ذلك ربما قد يخفف من شكوى واحتقان الكبار من تبدل القيم وتبددها وتغير سمات المجتمع وانحدار سلوك أفراده وتضمن بقدر كبير تعزيزا للولاء والانتماء فالوطن ليس موطنا للتربح والسكن في منتجعات وقضاء العطلات علي شواطئ مغلقة.

زر الذهاب إلى الأعلى