صفوت عباس يكتب: (آه لو تسمعني.. خطوط التواصل مقطوعة).

في نماذج الاتصال التقليدية، من الإرسال وحتى استقبال رد صدى الرسالة، وفي مخططات سريان وتدفق القرارات هبوطًا والتقارير صعودًا عبر مستويات الهرم الإداري، إذا فُقدت حلقة من حلقات سلسلة الاتصال سقطت العملية كلها، أو على الأقل أصيبت بعطب شديد.
النموذج الاتصالي بين الشعوب والحكومات فقد تختلف تركيبته عن النماذج السابقة؛ كونه يخضع لاعتبارات المحيط الإقليمي والدولي والمحلي، وتأثيرها على إغلاق مجال الاتصال توجسًا من خطر يحتاج إلى تركيز قمة الهرم في شأنه والعمل على التعامل معه. وبفرض أن الحكومة كيان واحد، فإن الشعوب كيان متعدد بعدد أفراده، أو على الأقل مجموعات تضم حاجاتهم واهتماماتهم ومشكلاتهم ورغباتهم وطموحاتهم، وهذا على المستوى السياسي.
على مستوى معيشة الشعوب ومشكلاتهم اليومية، فيكون الاتصال فعالاً إذا كانت مستويات الإدارة برؤية وحسٍّ تستشعر به تلك الحاجات والمشكلات، وتعمل على حلها تلقائيًا وتذليل ما يكتنفها من صعاب، دون حتى أن يشكو المستوى الشعبي. وإن لم تكن مستويات الحكومات على وعي بذلك، وجب أن تكون لها أدواتها الذاتية كمستشعرات تنقل إليها ما يعتري مستوى الرعايا من هموم العيش ومشكلات الحياة، وخاصة ضيق ذات اليد.
في محيطنا يشكو الناس بمرارة من عدة أمور حيوية تلقي بظلالها على حاضرهم ومستقبلهم:
.. التعليم بوضعه الحالي أصبح بمخرجاته غاية في الضعف علميًا، وانعدمت به كل القيم التربوية والتأديبية والسلوكية التي كانت تبثها المدرسة بمراحلها، وربما الجامعة. ذلك تحت ضغط تبدل سياسات التعليم وتجارب التطوير غير المتطابقة مع واقع إمكاناته الضئيلة، وعجز ظاهر في أعداد المعلمين (أساس العملية التعليمية)، وقصور حتى في عمال الخدمات المعاونة. هذا بخلاف تغول نفقات التعليم من كتب خارجية ودروس خصوصية تلتهم أغلب موارد الأسر البسيطة. والتعليم عنصر أساسي في صناعة الإنسان، والاستثمار فيه مسترد في قوة ووعي وكفاءة العنصر البشري.
.. في المحافظات التي طُبق بها نظام التأمين الصحي الشامل، أصبحت خدماته محل شكوى وأنين، في إطار منظومة يقال إنها مميكنة نقلت العنصر البشري الأساسي في العملية (أطباء وتمريض) إلى مدخلي بيانات لا يمارسون تخصصهم، وأصبحت خدمة لا تحتمل التأجيل رصًّا وتكديسًا لأصحاب الآلام في طوابير ومواعيد مؤجلة. خدمات التأمين الصحي الشامل أصبحت منصبة على شكليات معقدة للتسجيل واجتماعات الإدارات، وإنفاق أموال اشتراكات المنتفعين – التي تلتهم جانبًا غير هين من دخلهم – على جيوش من موظفي الأمن والخدمات المعاونة، والتي وُجهت للأطباء حالت دون هروبهم من العمل في المنظومة الحكومية. ولو وُجهت للدواء لرفعت معاناة تسببها ضغط الإنفاق وصرف بدائل رخيصة يصفها المنتفعون بأنها بلا فاعلية، بخلاف نقص الدواء. وإذا كانت التجربة في حيز التطبيق التجريبي، فإن النظام بصدد تصميم جديد يقوم به خبراء في تبسيط الإجراءات والتنظيم الإداري، ويخضع لاختبارات حتى الوصول إلى نظام سلس وناجز.
.. منتفعو الإصلاح الزراعي، الذي يعد أهم إنجازات ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، تضرروا مؤخرًا بشدة من رفع القيمة الإيجارية إلى أضعاف القيمة الحالية للأراضي الزراعية، إثر نقل الولاية عليها من جهاز أملاك الدولة التابع للإصلاح الزراعي إلى وزارة الري والموارد المائية بموجب قانون رقم ١٧٩ لسنة ٢٠٢١. وعليه أصبح الإنتاج الفعلي للأرض الزراعية لا يفي حتى بقيمة حق الانتفاع بها، خاصة مع زيادة أسعار مدخلات الزراعة من أسمدة وعمالة وتقاوي ووقود. الأمر الذي يهدر الانتفاع بحوالي ٤٠ الف فدان، وقد تفتتت المساحات بسبب تقسيمها بين ورثة المنتفعين الأساسيين.
.. مئات الآلاف من العاملين في استخلاص الذهب قد أخذوا بجريرة التنقيب العشوائي، علمًا بأنهم لم يطأوا أماكن الاستخراج، إنما يحصلون على الصخور الحاملة للذهب بنظام الإتاوة والشراكة لصالح المنقبين. هؤلاء قد أنفقوا الكثير لإقامة بنية أساسية، واكتسبوا خبرات الصناعة، وكونوا مصدر رزق لهم ولآلاف غيرهم من العاملين بالنقل وتشغيل المعدات، وحققوا رواجًا بسوق العمل والبناء ومستلزماته. حاليًا يبحث هؤلاء عن وضع يضمن قانونية واستدامة نشاطهم برعاية جهات الولاية وإدارة التعدين، لكن صوتهم لا يصل، الأمر الذي يهدد مصدر رزقهم بما يؤثر على إضافتهم إلى طابور المتعطلين، ويضع الأمن الاجتماعي والجنائي لمناطقهم في خطر.
أحد أهم قنوات نقل رسائل معاناة الناس بأي مجال هم ممثلوهم من أعضاء المجالس النيابية، وفق حقهم في التشريع والرقابة. لكن هؤلاء دون القدرة على الإحساس بمعاناة من انتخبوهم، والقدرة على التعبير عن معاناتهم ومشكلاتهم، ليصبح نداؤهم الأثير: «آه لو تسمعني» بلا صدى.









