عبد المعطى أحمد يكتب: معركة المنصورة الجوية

نشبت فى الرابع عشر من أكتوبر1973 , وتعد من كبريات المعارك الجوية فى التاريخ العسكرى الحديث, وأطول اشتباك جوى بالطائرات النفاثة منذ الحرب العالمية الثانية, كانت القيادة العسكرية الاسرائيلية تسعى جاهدة لتدمير القواعد الجوية المصرية فى منطقة الدلتا وخاصة مطارات المنصورة وطنطا والصالحية بهدف تحييد القوات الجوية المصرية واستعادة السيادة الجوية المطلقة التى فقدتها منذ بداية الحرب, ولتنفيذ هذه المهمة أطلقت اسرائيل هجوما جويا مكثفا ومباغتا استخدمت فيه أكثر من 120 طائرة مقاتلة وقاذفة من أحدث الطرازات مثل الفانتوم والميراج, وفى المقابل كانت أجهزة الرادارالمصرية ترصد التحركات المعادية بمهارة فائقة, مما أتاح للقيادة الجوية إعطاء الأوامر بإقلاع نحو 60 طائرة مقاتلة مصرية من طراز ميج 21 لصد الهجوم قبل وصولها إلى أهدافه, وتحولت سماء الدلتا إلى ىساحة قتال جوى عنيف ومعقد استمر لمدة53 دقيقة متواصلة, وتجلت نتائج هذه المعركة الاستراتيجية فى تحقيق نصر جوى مصرى حاسم, حيث نجح نسور القوات الجوية المصرية فى اسقاط مابين 15إلى18 طائرة اسرائيلية, وإجبار باقى التشكيلات المعادية على القاء حمولتها من القنابل عشوائيا والفرار دون تحقيق أى من أهدافها فى تدمير المطارات المستهدفة, وفى المقابل لم تتجاوز الخسائر المصرية 6 طائرات فقط 3منها سقطت نتيجة نفاد الوقود لعدم تمكنها من الهبوط فى خضم الاشتباك وليس بنيران العدو, واتخذت مصر من يوم 14أكتوبر عيدا رسميا للقوات الجوية المصرية تخليدا لذكرى هذه الملحمة الخالدة.
حرب أكتوبر لم تكن مجرد عبور لقناة السويس, بل كانت لحظة تغير فيها تصور العالم عن مصر الدولة التى ظن البعض أنها خرجت من المعادلة , والشعب الذى تحمل سنوات الانكسار رأى أن الارادة قادرة على صناعة التاريخ ولكن أكتوبر لم تكن نهاية الحكاية , فمصر لم تجعل من الانتصار العسكرى طريقا لحرب بلا نهاية, وإنما انتقلت بعده إلى المفاوضات والسلام حتى استعادت أرضها كاملة.
أكتوبر تعلمنا أن الدول تحمى مصالحها بالقوة التى تمنع الاستهانة بها, وبالدبلوماسية التى تمنح السياسة فرصتها , وبالشعب الذى يقف خلف دولته عندما تصبح مصالحها الأساسية موضع اختبار, ولهذا لاينبغى أن يخطىء أحد فى قراءة هدوء مصر, فالدولة التى اختارت السلام بعد أن استعادت أرضها لم تختره من موقع العجز, والشعب الذى تحمل سنوات الهزيمة لم يكن مستسلما, بل كان ينتظر اللحظة التى تتحول فيها الارادة إلى فعل, واليوم قد تصبر مصر وتفاوض وتفتح أبواب الحلول السياسية, لكن للصبر حدودا, وللأمن القومى حساباته, وللدولة لحظة تعرف فيها أن حماية مصالحها لم تعد تحتمل التأجيل , عندها فقط تذكروا أكتوبر , وتذكروا شعبا تحمل , ولم ينكسر , ودولة أعادت بناء قوتها , وجيشا عبر عندما أصبح العبور ضرورة.
مصر حين اختارت السلام بعد حرب أكتوبر لم تختره من موقع من يعرف قيمة القوة وقيمة السلام معا, فمصر عندما تغضب يجب أن يعرف الآخرون أن وراء غضبها شعبا صبر طويلا ودولة تعرف ماذا تريد, وحين تغضب مصر تذكروا أكتوبر.
فى شهر الانتصارات نود الاشارة إلى أن عبورجيشنا فى السادس من أكتوبر هو الأعظم والأروع على الاطلاق ضد جيش يمتلك قوات جوية متفوقة, بالاضافة إلى امتلاكه لأجهزة مخابرات قوية تساعدها أجهزة مخابرات غربية , وهناك أيضا خط تحصينات قوى تم اعتباره معجزة هندسية, وهو خط بارليف المنيع كما أن المفاجأة التى تعرض لها الجيش الاسرائيلى بعد ظهر يوم السادس من أكتوبر 1973 تؤكد للجميع نجاح دولتين عربيتين كبيرتين مصر وسوريا فى الحفاظ على أسرار واستعدادات الحرب حتى اللحظة الأخيرة.
تقاس مناعة الدول الحديثة بمرونة مؤسساتها فى تحويل التنوع الفكرى والسياسى من نذير تنازع إلى رافعة للتجديد وبناء الاستقرار, فالتماسك المفروض من أعلى باحتكار صياغة الصالح العام على الأفراد يظل هشا أمام الأزمات, بينما ينبع الاستقرار الحق فى بيئة تعترف بتعدد الآراء وتنظيمها ضمن عقد سياسى جامع.
يبدو أن أزمة سد النهضة ستظل الشاغل الرئيسى للمصريين الفترة المقبلة, ولم لا, وهى تمثل بالنسبة لنا مسألة حياة, والفريط فيها يعنى القبول بالموت حتى ولو كان بطيئا.
فى ظل ماتواجهه مصر من تحديات داخلية وخارجية, فإن الحفاظ على التماسك المجتمعى يصبح ضرورة لاتحتمل المزايدة ولا يحتمل حتى الاختبار لبعض التصورات والرؤى عن الصور التى يجب تقديمها عن واقع مصر سواء للداخل أو الخارج, ولذلك يجب ان ننتبه جميعا إلى أن أخطر مايمكن أن يحدث هو أن تتحول الفوارق الطبيعية بين المصريين إلى خصومة ووقود للحقد والتحريض الطبقى, وأن تتحول مشاهد النجاح إلى وقود للغضب, وأن يتحول الغضب إلى كراهية, ثم نستغل الكراهية من أطراف معادية فى محاولة لضرب الثقة بين المواطن والدولة والقيادة السياسية.
تسعى الدولة بكل أجهزتها ومختلف قطاعاتها لدعم الانتاج الصناعى والتكنولوجى وجذب الاستثمارات له من مختلف أنحاء العالم , وهذا يستدعى منا توجيه اهتمام الأبناء منذ مراحلهم المبكرة لأهمية التعليم الفنى الانتاجى كوسيلة حقيقية لتنمية مهاراتهم وقدراتهم العملية, وتوجيهها بأفضل الطرق, وصولا إلى المجال الانتاجى الصناعى والتكنولوجى الصحيح الذى يتوافق مع رغباتهم وقدراتهم ويحقق لهم حلم الحياة الكريمة, ومصر تحتاج إلى الكثير من الكوادر البشرية المتميزة التى يمكنها تحقيق أعلى كفاءة انتاجية من خلال توظيف الثورة التكنولوجية وتقنيات الذكاء الاصطناعى للوصول بالمنتجات المصرية لأعلى درجات الجودة والاتقان بالمعايير العالمية.إن التعليم الفنى نافذة رحبة لانطلاقة حقيقية نحو مستقبل أفضل لأبنائنا وبلدنا.
فى قرارات جريئة لحماية المراهقين من خطورة استخدام مواقع التواصل الاجتماعى على السلوك العام لحياتهم الخاصة , قامت أخيرا انجلترا بحظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعى عبر “الانترنت” لما لايقل أعمارهم عن 16 عاما, ثم تبعتها فى ذلك القرار الحكيم دولة الامارات أيضا بحظر استخدام مواقع التواصل الاجتماعى لما دون ال15 عاما, وتعد هذه القرارات هى الأهم من نوعها فى تاريخ ثورة عالم الانترنت فى الحفاظ على المراهقين, وفى هذا الشأن نرجو أن تنضم مصر إلى هاتين الدولتين بإصدار قرار مماثل لحماية أبنائنا.
كنت فيما مضى اعتقد أن قيمة المرء فى الشهادات التى يحملها أو المناصب التى يشغلها, وكانت تبهرنى الألقاب والصفات, لكننى اليوم وبعد تراكم التجارب والخبرات ونضج العقل والتفكير, أيقنت أن قيمة المرء فى قلبه, وهناك قلوب من الذهب وأخرى من الجحيم, وكانت تعجبنى الصور واليوم تعجبنى القلوب الرحيمة, فالصور الجميلة قد يكون بداخلها قلوب قبيحة, والذى لايملك جمال الصورة قد يملك جمال القلب, وما أدراك ماجمال القلب , إنه الجوهرة الثمينة التى لاتقدر بثمن.
فى الوقت الذى يرى البعض أن الفلسفة لاقيمة لها, وأن تدريسها للطلبة ضياع للوقت لايفيد, نجد المدارس فى كل دول أوروبا وفى أمريكا تدرس مناهج كاملة للفلسفة والمنطق وحتى فى الكليات العملية كالطب والهندسة على أساس أن الفلسفة تدرب العقل على التفكير وقبول تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر , وأن الانسان ذا البعد الواحد هو الأكثر تعرضا للفشل فى الحياة.
لاتوجد دولة متقدمة إلا وكان نظامها الاقتصادى رأسماليا.
التقدم لايصح إلا بعد العبور بالمنافسة السياسية أى الديمقراطية.
الهزيمة الاستراتيجية لايعوضها نصر تكتيكى.










