د. ماهيتاب صلاح الدين تكتب: الصهيونية الدينية من احتلال الأرض إلى امتلاك الدولة

في السياسة، لا تحدث التحولات الكبرى دائمًا تحت قبة البرلمان؛ وأحيانًا تبدأ من بؤرة استيطانية فوق تلة نائية، ثم تشق طريقها ببطء نحو صندوق الاقتراع، حتى تجد نفسها جالسة في قلب الحكومة، تُمسِك بمفاتيح مؤسسات كانت تنظر إليها ذات يوم باعتبارها عقبة في طريق مشروعها.
هذا ما يجعل صعود الصهيونية الدينية في إسرائيل أكثر من مجرد حكاية عن يَمين يزداد تطرفًا؛ فنحن أمام تيار لم يعد يكتفي بتغيير ملامح الأرض، بل يسعى إلى امتلاك الأدوات التي تحدد كيف تُدار، ومن يملك حق البقاء عليها، وأي صورة ينبغي أن تكون عليها الدولة في المستقبل.
حين يقدم «إيتامار بِن غَفِير» نفسه بصفته وزير الجيش المقبل، متعهدًا بتفكيك السلطة الفلسطينية، وتعزيز الاستيطان، وفرض السيادة، ودفع الهجرة من غزة والضفة، فإنه لا يرفع سقف طموحاته الوزارية فحسب، بل يكشف عن اتساع المشروع الذي يمثله. أما وصف النواب العرب بأنهم «طابورٌ خامسٌ»، فيتجاوز مهاجمة الخصوم إلى التشكيك في شرعيتهم السياسية.
لكن جوهر القصة ليس في صخب التصريحات، بل في المسافة التي قطعها هذا التيار من هامش السياسة إلى مؤسساتها، ومن تحدي الدولة إلى المشاركة في صنع قراراتها.
حين أصبحت الأرض عقيدة
بعد حرب 1967، رأى قطاع من التيار الديني القومي في السيطرة على الضفة الغربية والقدس الشرقية تحقيقًا لمعنى ديني وتاريخي يتجاوز المكسب العسكري. وبعد حرب 1973، منحت حركة «غُوش إِيمُونِيم» الاستيطان قوة تنظيمية، وحوّلته من سياسة قابلة للتبدُّل إلى رسالة ينبغي ترجمتها إلى واقع.
ثم ظهرت أجيال أكثر تشددًا، ارتبط بعضها بظاهرة «شباب التلال»، التي أقامت بؤرًا استيطانية غير مرخصة، وتحدّى بعض أفرادها سلطات الدولة. لكن التحول الأهم لم يكن في توسيع الاستيطان وحده، بل في الانتقال من فرض الوقائع خارج المؤسسات إلى السعي للتأثير في المؤسسات التي تقرر مصيرها.
فالبؤرة الاستيطانية تستطيع تغيير قطعة من الأرض، لكن الوزارة تستطيع التأثير في القواعد التي تحكم الأرض كلها.
أربعة عشر مقعدًا.. ومفتاح الحكومة
استفاد هذا الصعود من طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي القائم على التمثيل النسبي، حيث تحتاج الأحزاب الكبيرة إلى شركاء لتأمين الأغلبية. وفي انتخابات 2022، حصلت القائمة التي جمعت الصهيونية الدينية و«عُوتْسْمَا يَهُودِيت» وحزب «نُوعَام» على 14 مقعدًا من أصل 120، وأصبحت جزءًا حاسمًا من الأغلبية التي أعادت «بنيامين نتنياهو» إلى الحكم.
هكذا تحول الحزب الصغير إلى صاحب نفوذ يتجاوز حجمه؛ لا لأنه يستطيع حكم الدولة منفردًا، بل لأن غيابه قد يمنع الآخرين من حكمها.
ولا تُفسِّر محاكمة نتنياهو هذا التحالف وحدها، رغم ما تفرضه عليه من حسابات سياسية؛ فالمعادلة أوسع، وترتبط بصعود اليمين الديني والقومي داخل المعسكر الذي يقوده. وفي هذه المعادلة، لم تعد الحقائب الوزارية مجرد مناصب، بل أصبحت بوابات للتأثير في اتجاه الدولة.
من مقعد الوزارة إلى مفاصل القرار
تولى بن غفير وزارة الأمن القومي، بينما حصل «بَتْسَلْئِيل سْمُوتْرِيتْش»، إلى جانب وزارة المالية، على صلاحيات مدنية مهمة في إدارة شؤون الضفة الغربية من خلال موقعه داخل وزارة الدفاع.
وهنا تتجاوز المسألة أسماء الوزراء إلى طبيعة ما يملكونه من أدوات؛ فالنفوذ على الشرطة يتيح التأثير في الأولويات العامة للأمن الداخلي، بينما تمس الصلاحيات المدنية ملفات التخطيط والأراضي والاستيطان والإجراءات الإدارية التي تؤثر في حياة الفلسطينيين.
إن تحويل الأيديولوجيا إلى واقع لا يحدث بالتصريحات وحدها، بل عبر الميزانيات والتراخيص والقرارات الإدارية وآليات إنفاذ القانون. وحين يصبح التيار حاضرًا في هذه المسارات، فإنه يستطيع تغيير الواقع خطوة بعد أخرى، حتى تتراكم القرارات الصغيرة لتصنع تحوُّلًا أكبر.
من هنا، يمكن فهم طموح بن غفير للوصول إلى وزارة الجيش باعتباره مؤشرًا على رغبة في توسيع النفوذ، لا دليلًا على أن الوصول إلى المنصب أصبح أمرًا محسومًا؛ فالمؤسسة العسكرية لها تسلسل قيادي واعتبارات مهنية وقيود قانونية لا تُخْتَزَل في إرادة وزير.
وفي المقابل، يخدم وصف النواب العرب بأنهم «طابورٌ خامسٌ» محاولة تضييق المجال أمام البدائل السياسية. فقد أثبتت حكومة 2021، التي شارك فيها حزب عربي، أن تشكيل ائتلاف خارج المعسكر اليميني ممكن، وإن كان شديد التعقيد. وهكذا يتداخل الصراع على مؤسسات الدولة مع الصراع على من يحق له المشاركة في حكمها.
الدولة التي تتغير من داخلها
لا يعني ذلك أن الصهيونية الدينية استولت على الدولة، أو أن مؤسساتها فقدت استقلالها؛ فصعودها يرتبط أيضًا بانزياح أوسع نحو اليمين منذ الانتفاضة الثانية، وتراجع الثقة في التسوية، وتبني «الليكود» مواقف أكثر تشددًا في قضايا الأمن والفلسطينيين والاستيطان.
لكن هناك فارقًا بين إدارة الصراع من منظور قومي، والنظر إلى الأرض باعتبارها جزءًا من مشروع ديني يصعب التراجع عنه. كما أن المحكمة العليا وأجزاء من المؤسسة الأمنية والمعارضة السياسية لا تزال قادرة على الاعتراض أو تعطيل بعض القرارات. وقد كشفت المواجهة حول التعديلات القضائية أن الصراع على طبيعة الدولة لم يُحسَم بعدُ.
لذلك، لا تكمن أهمية ما يجري في كل تصريح انتخابي، بل فيما يتحول من خطاب إلى قرار، ومن قرار إلى قاعدة إدارية، ومن قاعدة إلى واقع يستمر بعد انتهاء الائتلاف الذي أنشأه.
ما الذي يبقى بعد الانتخابات؟
إذا استمر معسكر اليمين في الحكم، فقد يواصل شركاؤه الدينيون والقوميون توسيع نفوذهم والمطالبة بصلاحيات أمنية وإدارية أكبر. أما إذا تشكلت حكومة مختلفة، فلن يعني رحيل الوزراء بالضرورة زوال كل آثار سياساتهم؛ فالمستوطنات القائمة والقرارات الإدارية التي لم تُُلْغَ قد تفرض على أي حكومة جديدة كلفة سياسية وقانونية لمراجعتها، وإن لم تكن جميع هذه الوقائع غير قابلة للتغيير.
في النهاية، لا تتناسب القوة دائمًا مع عدد المقاعد. أحيانًا يمتلك الحزب الصغير نفوذًا كبيرًا لأنه يحمل مفتاح الأغلبية، وأحيانًا يصبح نفوذه أعمق حين يتحول إلى صلاحيات داخل مؤسسات الدولة.
ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟ بل: أيَّ دولة سيجدها الفائز حين يصل إلى الحكم؟ فربما لا يكون الانتصار دائمًا أن تحكم الدولة وحدك، بل أن تجعل من يأتي بعدك مضطرًا إلى الحكم داخل العالم الذي صنعته أنت








