د. باسم المذحجي يكتب: سيناريو الحرب الأخير تفكيك مراكز الثقل وإعادة صياغة الجغرافيا العسكرية اليمنية

في فترات الحروب والتحولات الجيوسياسية الكبرى، يُصبح اختيار السيناريو العسكري الأنسب محكومًا بحسابات باردة ومجرّدة؛ حسابات لا تعترف بالعواطف أو الأمنيات، بل ترتكز حصرًا على التحليل الاستراتيجي الواقعي للمخاطر والمكاسب. إن إدارة الأزمات الوجودية تتطلب إخضاع أي قرار عسكري لخمسة معايير أساسية: تقييم الكلفة مقابل العائد، قياس ميزان القدرات الذاتية واستدامتها، وضع الخطط لأسوأ الاحتمالات (Worst-Case Scenario)، القراءة الدقيقة لتقلبات مواقف الحلفاء الدوليين، ومدى مرونة الخطة للتحول بين الردع والتفاوض.
من هذا المنطلق، تشير القراءات العسكرية المعاصرة إلى أن نمط “الجبهات المجزأة” قد أثبت عقمه، وأن مسرح العمليات الناجح لهزيمة المشروع الحوثي يجب أن يكون شاملًا وموحدًا يمتد على كامل الجغرافيا اليمنية.
أولاً: خريطة مراكز الثقل وجبهات الاستنزاف
تتوزع خريطة الصراع الحالية بين مسارح حسم استراتيجية ومحاور استنزاف كبرى:
مسارح الحسم (مراكز الثقل): تتقدمها صعدة بصفتها المعقل الأيديولوجي والقيادي الذي بضربه يتهاوى الهرم القيادي للجماعة، تليها الحديدة والساحل الغربي لقطع شريان الإمداد البحري، ثم صنعاء بوصفها مركز السيطرة السياسية والإدارية.
جبهات السيطرة والإشغال: وتشمل مأرب، الجوف، البيضاء، وتعز (بما فيها طور الباحة)؛ وهي محاور حيوية لشل قدرة الميليشيا على المناورة، ومنع اختراقاتها نحو المحافظات الجنوبية.
إن الانتقال من حالة الركود الميداني إلى فرض واقع جديد يتطلب خطة عسكرية خماسية الأبعاد، مدعومة بمبررات قانونية دولية، ومفتوحة على سيناريوهات ردع غير تقليدية.
ثانياً: المراحل التنفيذية لسيناريو الحسم الشامل
[المرحلة 1: التمهيد الجوي] ➔ [المرحلة 2: كسر كماشة الساحل] ➔ [المرحلة 3: الإشغال والاستنزاف] ➔ [المرحلة 4: اقتحام مراكز الثقل] ➔ [المرحلة 5: الحاضنة الشعبية والاستقرار]
المرحلة الأولى: الاستطلاع الناري والتمهيد الجوي المشترك
شل سلاح الجو المسير ومنصات الصواريخ الباليستية للحوثيين في صنعاء وصعدة والحديدة عبر ضربات مركزة ومكثفة، لتأمين القوات البرية المتقدمة وحماية العمقين اليمني والإقليمي.
المرحلة الثانية: كسر كماشة الساحل الغربي (المحور البحري)
تقدم بري بإسناد بحري وجوي لاستعادة السيطرة الكاملة على موانئ الساحل الغربي (المخا، ذوباب، والحديدة)، بهدف تأمين ممر الملاحة الدولي في باب المندب وقطع خطوط التهريب نهائياً.
المرحلة الثالثة: جبهات الإشغال والتثبيت (محور الوسط والشرق)
تحريك متزامن لكافة الجبهات في تعز (جبل حبشي وجبل هان) ومأرب والجوف (معسكر اللبنات واليتيمة) لفرض حالة استنزاف قصوى تمنع الحوثي من نقل احتياطاته العسكرية نحو الساحل.
المرحلة الرابعة: جبهة الحسم واستهداف مراكز الثقل
زحف بري متعدد المحاور ينطلق من الجوف صعودًا نحو المعقل الرئيسي (صعدة)، بالتزامن مع ضغط عسكري خانق على طوق صنعاء لتفكيك المنظومة القيادية للميليشيا.
المرحلة الخامسة: تأمين الحاضنة الشعبية (الحلقة الأهم)
إن تفوق الطيران والمدفعية لا يكفي لضمان ديمومة النصر. لذا، ترتكز هذه المرحلة على استعادة ثقة السكان المحليين وتأمين المناطق المحررة، مما يقطع قدرة الميليشيا على الحشد البشري والقبلي، ويحول بيئة الصراع من حاضنة مفروضة بقوة السلاح إلى بيئة طاردة للمشروع الحوثي.
ثالثاً: مبررات الاجتياح البري لصعدة وتفكيك التهديد الإقليمي
إن فرضية تقدم جيش دولة أخرى للمشاركة في الاجتياح البري لمعقل صعدة لا يمكن أن تمر دون غطاء قانوني وإقناع دولي صلب، وهو ما يتمحور حول أربعة مسارات:
الدفاع الشرعي عن النفس (المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة): عبر إثبات وجود خطر داهم ومستمر، واستخدام صعدة كمنصة لإطلاق الصواريخ والمسيرات نحو المنشآت الحيوية لدول الجوار، بعد استنفاد كافة الحلول السلمية.
الاستجابة لدعوة الحكومة الشرعية: صياغة التدخل كدعم رسمي لبسط نفوذ الدولة المعترف بها دولياً وإنهاء التمرد المسلح.
تأمين الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب: ربط العملية بحماية أمن التجارة العالمية في البحر الأحمر وحظر تهديد الممرات المائية.
التدخل الإنساني (المسؤولية عن الحماية R2P): لإنهاء الانتهاكات الجسيمة وفتح ممرات آمنة للمساعدات. مع بقاء هذا الإقناع مشروطًا بالالتزام الصارم بالمسؤولية الإنسانية وتجنب استهداف المدنيين.
رابعاً: المرحلة السادسة والسيناريو النووي التكتيكي (فرضية العمل الاستباقي)
في ظل التحولات السياسية الدولية، وتحديدًا مع تصريحات الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب وتحذيراته المستمرة من الخطر الإيراني وأذرعه في المنطقة، تبرز في الأفق فرضية عسكرية بالغة التعقيد والحساسية: السيناريو الاستباقي باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية (Tactical Nuclear Weapons).
هذه الأسلحة، المصممة للاستخدام في أرض المعركة لضرب أهداف عسكرية محددة وذات مدى قصير وقوة تدميرية محدودة مقارنة بالأسلحة الاستراتيجية، قد تطرحها مراكز القرار الدولي كخيار اضطراري أخير في حالتين:
أولاً: رصد تهديد إيراني/حوثي وشيك وغير تقليدي يهدد أمن الطاقة العالمي أو ينذر بتفجير صراع إقليمي شامل لا يمكن كبحه بالوسائل التقليدية.
ثانياً: تحصن قيادات الصف الأول وشبكات الصواريخ المحصنة في خنادق وكهوف جبلية عميقة ومعقدة في صعدة، مما يجعل اختراقها عسكريًا بكلفة بشرية مقبولة أمرًا شبه مستحيل.
إن هذا السيناريو، رغم خطورته الكارثية، يظل مطروحًا في غرف التخطيط الاستراتيجي كأداة ردع نهائية أو كعمل استباقي لقطع “رأس الأفعى” وإنهاء الصراع في مسرح العمليات اليمني قبل تدحرجه إلى حرب إقليمية ثالثة.
خاتمة
إن “سيناريو الحرب الأخير” في اليمن يتطلب غرفة عمليات مشتركة وموحدة تجمع كافة القوى المناهضة للمشروع الحوثي (القوات الحكومية، القوات المشتركة، والمجلس الانتقالي)، مع تناغم مطلق بين الجهد العسكري الميداني، والغطاء القانوني الدولي، والجاهزية للتعامل مع أسوأ الاحتمالات وأكثرها تطرفًا بناء الخطط على معطيات الواقع، والمرونة في الانتقال بين خيارات الردع، هما وحدهما الكفيلان بتحويل هذا التحليل إلى واقع يحسم الصراع وينهي الأزمة الوجودية.
باحث استراتيجي يمني.









