د. داليا البيلي تكتب: مكتب الدفاع المصري بالكويت يحيي أمجاد أكتوبر.. نصر جمع التاريخ ووحّد القلوب

هناك مناسبات لا تقتصر قيمتها على الاحتفاء بحدث تاريخي، بل تتحول إلى رسائل وطنية وإنسانية تعيد إلى الذاكرة معاني الانتماء والوفاء، وتؤكد أن العلاقات الراسخة بين الشعوب لا تصنعها الكلمات وحدها، وإنما تبنيها المواقف والتضحيات المشتركة.
ولعل الاحتفال بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات السادس من أكتوبر المجيدة، الذي أقامه مكتب الدفاع المصري بدولة الكويت مساء الخميس 8 أكتوبر 2026، كان نموذجًا لهذه المناسبات التي تجمع بين الاعتزاز بالتاريخ واستحضار معاني الأخوة العربية.
فبدعوة كريمة من العقيد محمد عبد الواحد عبد الجواد، رئيس مكتب الدفاع المصري وملحق الدفاع لدى دولة الكويت، شهدت الكويت احتفالية وطنية متميزة، جسدت في أجوائها صورة مشرفة لمصر وقواتها المسلحة، وعكست عمق الروابط التاريخية التي تجمع الشعبين المصري والكويتي.
وما استوقفني خلال هذه الأمسية لم يكن فقط ما حملته من مشاعر وطنية، وإنما ذلك المستوى الراقي من الإعداد والتنظيم، وحفاوة الاستقبال، وحسن ترتيب الفقرات، والاهتمام بالتفاصيل التي عكست احترافية واضحة في إدارة المناسبة، بما يليق بقيمة انتصار أكتوبر ومكانته في وجدان المصريين والعرب.
وقد أضفى الحضور الدبلوماسي والعسكري الرفيع على الاحتفال أهمية خاصة، حيث بحضور سعادة السفير محمد جابر أبو الوفا، سفير جمهورية مصر العربية لدى دولة الكويت، والسادة أعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية، ومن الجانب الكويتي الشيخ الدكتور عبد الله مشعل الصباح، وكيل وزارة الدفاع الكويتية، واللواء الركن طيار فهد الخرينج، آمر القوة الجوية الكويتية، إلى جانب نخبة من السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية والملحقين العسكريين والشخصيات العامة والإعلامية وأبناء الجالية المصرية.
وهذا الحضور المتميز، في تقديري، لم يكن مجرد تعبير عن المجاملة الدبلوماسية، بل حمل دلالة واضحة على المكانة التي تحتلها مصر في محيطها العربي والدولي، وعلى خصوصية العلاقات المصرية الكويتية التي أثبت التاريخ أنها تتجاوز حدود التعاون الرسمي إلى روابط أخوية عميقة.
ولعل الحديث عن انتصارات أكتوبر على أرض الكويت يحمل خصوصية لا يمكن تجاهلها؛ فالكويت كانت حاضرة في صفحات هذه الملحمة الوطنية بمواقفها القومية المشرفة، وبمشاركة أبنائها من القوات المسلحة الكويتية إلى جانب أشقائهم المصريين في حرب أكتوبر عام 1973.
ولم تكن تلك المشاركة مجرد دعم عسكري في لحظة تاريخية، وإنما كانت تجسيدًا حقيقيًا لوحدة المصير العربي، ورسالة بأن الدفاع عن الأرض والكرامة مسؤولية تتجاوز الحدود الجغرافية حين يتعلق الأمر بالمصالح العربية المشتركة.
ومن هنا، فإن العلاقات المصرية الكويتية تستمد جانبًا مهمًا من قوتها من ذاكرة تاريخية مشتركة، ومن مواقف متبادلة في أوقات التحديات، وهو ما يجعل الاحتفال بذكرى أكتوبر في الكويت مناسبة لاستحضار الماضي، والتأكيد على أهمية الحفاظ على هذه الروابط وتعزيزها للأجيال المقبلة.
وقد جاءت الكلمات التي شهدتها الاحتفالية لتعكس هذه المعاني، حيث تناول العقيد محمد عبد الواحد عبد الجواد دلالات نصر أكتوبر وما جسده من إرادة وطنية وتخطيط عسكري وقدرة على تجاوز التحديات، مؤكدًا ارتباط قوة الدولة المصرية بإيمانها بالسلام واحترام سيادة الدول.
كما عكست كلمة اللواء الركن طيار فهد الخرينج عمق التقدير الكويتي للعلاقات التاريخية مع مصر، وما يجمع البلدين من روابط التعاون والتضامن والوفاء.
وفي اعتقادي، فإن أحد أهم الدروس التي ينبغي أن نستحضرها في ذكرى أكتوبر هو أن الانتصارات الكبرى لا تتحقق بالمصادفة، وإنما تكون ثمرة رؤية واضحة، وإعداد علمي، وتخطيط محكم، وانضباط مؤسسي، وإيمان عميق بالهدف.
لقد أثبتت ملحمة العبور أن بناء القوة يبدأ من بناء الإنسان، وأن امتلاك الإرادة لا ينفصل عن امتلاك المعرفة والقدرة على التنظيم واتخاذ القرار، وهي دروس لا تزال صالحة لكل مرحلة من مراحل بناء الدولة الحديثة.
ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لأبطال أكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء ببطولاتهم، وإنما يجب أن يمتد إلى استلهام قيمهم في العمل والإنتاج والبناء، وترسيخ الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة، وتعزيز ثقافة المسؤولية والانتماء.
وبالنسبة لي، كمصرية مقيمة في دولة الكويت الحبيبة منذ سنوات طويلة، فإن الاحتفال بانتصارات أكتوبر على هذه الأرض الطيبة يحمل مشاعر خاصة من الفخر والامتنان. فمصر ستظل الوطن الذي نحمله في وجداننا أينما كنا، والكويت هي البلد الشقيق الذي ارتبطنا به بسنوات العمر وروابط المحبة والوفاء.
ومن أجمل ما لمسته خلال الاحتفال تلك الروح الودية التي جمعت الحضور المصري والكويتي والدبلوماسي، والتي أكدت أن العلاقات بين البلدين ليست مجرد عبارات تتردد في المناسبات الرسمية، بل واقع إنساني واجتماعي وتاريخي تعيشه أجيال متعاقبة من أبناء الشعبين.
ولا يفوتني أن أعرب عن خالص تقديري وامتناني للعقيد محمد عبد الواحد عبد الجواد، رئيس مكتب الدفاع المصري بدولة الكويت، والسيدة قرينته الكريمة، على الدعوة وحفاوة الاستقبال، وعلى الجهد الواضح الذي بُذل في تنظيم هذه الاحتفالية بالصورة المشرفة التي ظهرت بها، مع خالص الشكر لجميع أعضاء مكتب الدفاع والقائمين على الإعداد والتنظيم.
كما أتوجه بالتقدير إلى سعادة السفير محمد جابر أبو الوفا، سفير جمهورية مصر العربية لدى دولة الكويت، وأعضاء البعثة الدبلوماسية المصرية، وإلى الأشقاء الكويتيين وجميع الضيوف الذين شاركوا مصر هذه المناسبة الوطنية العزيزة.
لقد خرجت من هذه الأمسية بقناعة متجددة بأن الاحتفال بذكرى أكتوبر ليس مجرد استعادة لأمجاد الماضي، بل هو تذكير دائم بأن الأوطان تُبنى بالإرادة والعلم والعمل، وأن العلاقات بين الدول تزداد قوة حين تستند إلى تاريخ من الثقة والمواقف الصادقة.
وإذا كان السادس من أكتوبر قد سجل صفحة خالدة في تاريخ العسكرية المصرية، فإن المشاركة الكويتية في هذه الملحمة ستظل واحدة من الشواهد المضيئة على عمق الأخوة بين البلدين.
وستبقى الرسالة الأهم أن مصر والكويت لا يجمعهما تاريخ مشترك فحسب، بل تجمعهما مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث، وتحويله إلى مزيد من التعاون والتكامل من أجل مستقبل يليق بالشعبين الشقيقين.
فالأوطان العظيمة تحفظ تاريخها، والشعوب الوفية لا تنسى من وقف إلى جوارها، وتبقى مصر والكويت شاهدتين على أن الأخوة الحقيقية تُكتب بالمواقف قبل الكلمات.
حفظ الله مصر والكويت، وأدام بين شعبيهما روابط المحبة والوفاء والأخوة الصادقة.









