إيمان سعيد تكتب: أين الرجولة حين يغيب الأب؟

هناك أمهات لم تعش حياتها كما كانت تتمنى، ليس لأنها لم تكن تملك أحلامًا، ولكن لأنها اختارت أن تضع أبناءها أولًا. مرّت السنوات وهي تؤجل نفسها، تتنازل عن راحتها، تحمل هموم البيت والأبناء، وتواجه تفاصيل الحياة وحدها، وكل ما كان يشغلها أن يكبر أولادها وهم يشعرون بالأمان، وأن يجدوا دائمًا من يسندهم عندما تميل بهم الحياة.
وفي الجهة الأخرى، قد يكون هناك رجل يعيش حياته بشكل طبيعي، يعمل، يخرج، يخطط لمستقبله، يمارس يومه دون أن يحمل فوق كتفيه ذلك العبء اليومي الذي تعرفه الأم جيدًا. لا يستيقظ وهو يفكر في احتياجات أبنائه، ولا يظل طوال الليل منشغلًا بمشكلاتهم، ولا يشعر أن أي أزمة تخصهم هي مسؤولية يجب أن يجد لها حلًا مهما كان الثمن.
وهنا يأتي السؤال الذي لا تستطيع الأم أن تمنعه من داخلها: أين الأب؟ وأين الرجولة حين تُترك كل هذه المسؤولية على امرأة واحدة؟
الأم لا تريد منه أن يعيش حياتها، ولا تطلب منه أن يدفع ثمنًا مماثلًا لكل ما دفعته، لكنها تريد فقط أن تشعر أن هناك أبًا يقف معها في مسؤولية أبنائه، وأن الرجل الذي أنجبهم لم يعتبر دوره انتهى عند حدود معينة، ثم ترك لها بقية الطريق.
الأبوة ليست أن يظهر الرجل عندما تكون الصورة جميلة، وأن يتحدث عن أولاده أمام الناس، ثم يغيب عندما تأتي الأيام الثقيلة. الأبوة تظهر في التفاصيل التي لا يراها أحد؛ في مصاريف يحتاجها الابن، وفي مشكلة تواجهه، وفي خوف يمر به، وفي قرار يحتاج فيه إلى أبيه، وفي لحظة تكون فيها الأم نفسها منهكة وتحتاج أن تجد من يقول لها: اتركي هذا الأمر عليّ، أنا والدهم.
لكن ماذا يحدث عندما تطلب الأم ذلك فلا تجد استجابة؟ عندما تتحدث عن احتياجات أبنائها، فيُنظر إلى كلامها وكأنه عبء أو إزعاج؟ عندما تحاول أن تذكّر الأب بدوره، بدلًا من أن تجد منه احتواءً ومسؤولية، تجد غضبًا أو إهانة أو تهديدًا؟
عندها يصبح الحمل أثقل من مجرد مسؤوليات يومية؛ لأن الأم لا تكون مطالبة فقط بأن تتحمل، بل أن تتحمل في صمت أيضًا.
والأكثر قسوة أن هذه المرأة قد تكون هي نفسها التي حافظت على صورة الأب أمام أبنائه، ورفضت أن تجعلهم يرون عيوبه أو يسمعوا ما يؤلمها، لأنها تعرف أن الطفل لا ينبغي أن يحمل خلافات الكبار. قد تملك من الحكايات والحقائق ما يكفي لتقول الكثير، لكنها تختار الصمت، ليس خوفًا منه، وإنما خوفًا عليهم.
تقول لنفسها: ماذا سيحدث لأولادي إذا تكلمت؟ كيف سينظرون إلى أبيهم؟ وهل يستحقون أن يحملوا هذا الصراع؟
فتبتلع وجعها مرة أخرى، وتعود إلى دورها، وتكمل الطريق.
لكن المشكلة أن البعض يعتاد على صمت المرأة، ويخطئ في تفسيره. يظن أن تحملها ضعف، وأن سكوتها قبول، وأن حرصها على أبنائها يعني أنها ستتحمل إلى الأبد.
لا.
هذه الأم ليست بلا حقوق، وليست بلا كرامة، وليست مطالبة بأن تدفع وحدها ثمن الأبوة التي يفترض أن يشترك فيها الأب والأم.
فأي رجولة تلك التي تترك امرأة استنزفت عمرها من أجل أبنائها تواجه كل شيء وحدها، بينما يعيش الرجل حياته وكأن شيئًا لا يعنيه؟
الرجل الحقيقي لا يُقاس بما يقوله عن نفسه، ولا بالصورة التي يصنعها أمام الناس، وإنما بما يتحمله عندما لا يراه أحد. الرجولة أن يعرف أن أبناءه ليسوا مسؤولية الأم وحدها، وأن احتياجاتهم ليست فضلًا يمنحه متى شاء، وأن وجوده في حياتهم ليس منّة، بل أمانة.
والأم التي أفنت سنواتها في رعاية أبنائها لا تطلب بطلًا، ولا تبحث عن منقذ. هي فقط تريد شريكًا في المسؤولية، رجلًا يشعر أن أبناءه جزء من حياته، لا جزءًا من حياة أمهم فقط.
فحين تقول له: «أولادك محتاجينك»، لا ينبغي أن يسمعها كاتهام، بل كنداء من أم تعرف أنها لم تعد قادرة على حمل كل شيء وحدها.
وحين تطلب منه أن يساعدهم، فهي لا تطلب لنفسها شيئًا. وحين تضع أمامه احتياجاتهم، فهي لا تفتح معركة؛ هي تفتح له بابًا ليقوم بدوره كأب.
لأن المرأة التي ضحت بحياتها من أجل أولادها لا يجب أن تكون هي وحدها التي تدفع ثمن المسؤولية، بينما يحصل الأب على حرية العيش دون ضغط أو التزام أو إحساس بما تحمله هي.
الأبوة ليست لقبًا… والرجولة ليست كلامًا.
الرجولة الحقيقية أن تتحمل أبناءك حتى عندما يكون الأمر متعبًا، وأن تكون موجودًا عندما تحتاجك أمهم، وأن تعرف أن هناك امرأة ربما أخفت عن أولادك الكثير، وتحملت الكثير، فقط حتى لا تسقط صورتك من أعينهم.
فلا تجعل صمتها يُغريك بالغياب، ولا تجعل حبها لأبنائها نقطة ضعف تستغلها ضدها.
هي لم تتخلَّ عن حياتها لأنها أقل منك قيمة…
هي فعلت ذلك لأن أبناءها كانوا بالنسبة إليها أهم من حياتها.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يسمعه كل أب من نفسه، بعيدًا عن كلام الناس وصورة المجتمع:
حين احتاجك أبناؤك… هل كنت فعلًا أبًا؟
أين الرجولة حين يغيب الأب؟









