السيد خلاف يكتب: انتصارات أكتوبر.. عبقرية الحرب وصناعة السلام

عبور مصر للنصر .. وإلى المستقبل
في السادس من أكتوبر، لا تستعيد مصر ذكرى معركة عسكرية عظيمة فحسب، وإنما تستعيد لحظة تاريخية تجسدت فيها إرادة الدولة المصرية في أبهى صورها؛ لحظة امتزج فيها القرار السياسي بالقدرة العسكرية، والإرادة الوطنية بالتخطيط الاستراتيجي، وانتهت من قلب المعركة إلى استعادة الأرض وفتح الطريق أمام السلام.
وفي قلب هذه اللحظة يقف اسم الرئيس الراحل محمد أنور السادات.. بطل الحرب والسلام.
فإذا كان التاريخ قد سجل للقوات المسلحة المصرية ملحمة العبور، فإنه سجل للرئيس السادات شجاعة القرار الذي قاد إليها، ثم شجاعة القرار الآخر الذي نقل مصر من ميادين القتال إلى طاولة السلام.
وهنا تحديدًا تكمن عبقرية السادات السياسية.
لم يكن قرار حرب أكتوبر قرارًا منفصلًا عن رؤية سياسية، كما لم يكن قرار السلام تراجعًا عن نتائج الحرب.
كان الاثنان، في الرؤية المصرية، حلقتين في مسار واحد: استعادة الأرض والحقوق، ثم تثبيت نتائج الانتصار من خلال السلام.
لقد تولى السادات رئاسة مصر في أعقاب هزيمة يونيو 1967، وكانت سيناء تحت الاحتلال الإسرائيلي. ومنذ ذلك الوقت أصبحت استعادة الأرض قضية الدولة المركزية.
كان السادات كان صاحب قرار العبور التاريخي في أكتوبر 1973، ولا تكمن قيمة القرار فقط في صدوره، وإنما في الظروف التي صدر فيها.
كان على القيادة المصرية أن تعيد بناء القوات المسلحة، وأن تضع تصورًا واقعيًا للحرب، وأن تحدد هدفها السياسي والعسكري، وأن تختار اللحظة التي يمكن فيها تحويل الإرادة إلى فعل.
عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس، واقتحمت التحصينات الإسرائيلية، وأقامت رؤوس الجسور شرق القناة، لتبدأ واحدة من أبرز عمليات العبور في التاريخ العسكري الحديث.
وهنا لا يمكن فصل السادات عن جيشه.. قرار سياسي بلا جيش قادر على تنفيذه لا يصنع نصرًا، وجيش بلا قرار سياسي واضح لا يستطيع وحده تحديد نهاية الحرب.
ولهذا كانت عبقرية أكتوبر في تكامل العنصرين: قيادة سياسية تعرف ماذا تريد، وقوات مسلحة تعرف كيف تحقق الهدف في الميدان.
لقد أعادت حرب أكتوبر للمصريين الثقة في قدرتهم على مواجهة آثار هزيمة 1967، وأعادت للقوات المسلحة المصرية مكانتها، وفرضت واقعًا استراتيجيًا جديدًا في المنطقة..
لكن السادات لم يتوقف عند حدود الانتصار العسكري.
وهنا تبدأ الصفحة الأكثر إثارة في شخصيته السياسية،وقوة القرار،
الرجل الذي قرر الحرب هو نفسه الذي قرر أن يجعل من نتائج الحرب طريقًا إلى السلام.
في عام 1977 اتخذ السادات قرارًا بالغ الجرأة بزيارة القدس، في خطوة هزت العالم وفتحت مسارًا سياسيًا جديدًا.
الزيارة للكنيست كانت جزءًا من توجهه لدفع عملية السلام بين مصر وإسرائيل، بينما تؤكد مؤسسة نوبل أن السادات حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1978 تقديرًا للمفاوضات التي قادت إلى السلام بين مصر وإسرائيل.
وهنا تظهر المفارقة التي تجعل السادات حالة استثنائية في التاريخ السياسي الحديث.
لم يكن السادات يبحث عن الحرب من أجل الحرب، ولم يكن السلام بالنسبة إليه بديلًا عن القوة؛ بل استخدم القوة لفتح الطريق أمام السلام.
لقد أدرك أن الهدف النهائي للدولة المصرية ليس استمرار المعركة، وإنما استعادة الأرض وتأمين مستقبل الدولة.
ومن هذه الزاوية، فإن أكتوبر لم تنتهِ بانتهاء العمليات العسكرية، وإنما امتدت آثارها إلى السياسة والدبلوماسية والمفاوضات.
لقد انتقلت مصر من خنادق القتال إلى طاولة المفاوضات وهي تحمل في يدها نتائج الحرب، وفي يدها الأخرى رؤية سياسية للمستقبل.
وكانت اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 جزءًا من هذا المسار.
وقد منحت لجنة نوبل السادات وبيجن جائزة السلام لعام 1978 تقديرًا للتفاوض الذي قاد إلى اتفاقات السلام.
وهكذا يصبح من الخطأ قراءة أكتوبر باعتبارها مجرد انتصار عسكري انتهى بانتهاء المعارك.
إنها كانت عملية تاريخية متكاملة بدأت بإعادة بناء القوة، ثم قرار الحرب، ثم العبور، ثم إدارة المعركة السياسية، ثم الانتقال إلى التفاوض، وصولًا إلى استعادة الأرض المصرية.
وهذا تحديدًا ما يجعل شخصية السادات حاضرة في كل ذكرى من ذكريات أكتوبر،فهو ليس فقط صاحب قرار العبور، وإنما صاحب رؤية جعلت من الحرب وسيلة لتحقيق هدف سياسي أكبر.
ولذلك فإن وصفه بـ «بطل الحرب والسلام» لم يأتِ من فراغ؛ فقد جمع في مسيرته بين قرارين شديدي الصعوبة: قرار الدخول في الحرب عندما أصبحت الحرب ضرورة سياسية وعسكرية، وقرار الذهاب إلى السلام عندما رأى أن مصر تستطيع تحقيق أهدافها عبر المسار السياسي.
وفي كلا القرارين كانت هناك مخاطرة.
لكن القيادة التاريخية لا تُقاس فقط بحجم المخاطرة، وإنما بقدرتها على تحديد الهدف وتحمل المسؤولية عن القرار.
ولهذا بقي السادس من أكتوبر حاضرًا في الذاكرة المصرية باعتباره يومًا للانتصار، وبقي السادات حاضرًا باعتباره الرجل الذي اتخذ قرار العبور، ثم اتخذ قرار السلام.
وفي ذكرى أكتوبر، تظل التحية واجبة إلى شهداء القوات المسلحة المصرية، وإلى أبطال الجيش المصري الذين صنعوا العبور، وإلى كل من شارك في بناء القوة التي مكنت مصر من خوض الحرب.
وتبقى التحية كذلك إلى بطل الحرب والسلام، محمد أنور السادات، الذي أدرك أن أعظم انتصار ليس فقط أن تعبر قواتك إلى أرض العدو، وإنما أن تستطيع بعد ذلك أن تعبر ببلادك من الحرب إلى السلام، ومن استعادة الأرض إلى بناء المستقبل.
ذلك هو الدرس الأعمق لأكتوبر:
أن مصر عندما تمتلك قرارها، وتستند إلى جيش قوي، وتتحرك وفق رؤية سياسية واضحة، تستطيع أن تغير المعادلات.
وأن السلام الذي يأتي بعد امتلاك القوة وحماية السيادة ليس نقيضًا للنصر، بل يمكن أن يكون إحدى ثماره.
ولهذا ستظل أكتوبر في وجدان المصريين أكثر من ذكرى عسكرية.
ستظل يومًا عبرت فيه مصر قناة السويس، وعبرت معه من زمن الهزيمة إلى زمن استعادة الأرض، ثم عبرت من الحرب إلى السلام.
وستظل سيرة السادات شاهدة على أن التاريخ أحيانًا تصنعه شجاعة رجل يتخذ القرار في اللحظة التي يعجز فيها الآخرون عن اتخاذه.
رحم الله شهداء أكتوبر.. وتحيا مصر.










