إيمان سعيد تكتب: كيف نُعلّم أبناءنا تقبّل الانفصال دون أن يدفعوا ثمنه من أمانهم النفسي؟

الانفصال لا يغيّر شكل الأسرة فقط، بل يضع الطفل أمام واقع جديد لم يختره، وقد يترك داخله أسئلة كثيرة: لماذا حدث هذا؟ هل أنا السبب؟ هل سيظل أبي وأمي يحباني؟ وهل ستتغير حياتي بالكامل؟
لذلك، فإن مساعدة الطفل على تقبّل الانفصال لا تعني أن نطلب منه أن يتقبله بسهولة، وإنما أن نمنحه الأمان والوضوح والاحتواء حتى يستطيع التكيف مع التغيير.
أول ما يحتاجه الطفل هو أن يعرف الحقيقة بما يتناسب مع عمره، من دون الدخول في تفاصيل الخلافات الزوجية أو تحميله ما يفوق قدرته. يمكن أن نخبره ببساطة أن الأب والأم لم يعودا قادرين على الاستمرار كزوجين، لكنهما سيظلان والدين له، وأن هذا القرار ليس بسببه وليس ذنبه.
ثم يأتي الأهم: أن تتطابق كلماتنا مع أفعالنا. لا يمكن أن نطلب من الطفل أن يشعر بالأمان بينما نضعه في قلب الخلاف، أو نستخدمه لنقل الرسائل، أو نطلب منه اختيار أحد والديه. الطفل ليس طرفًا في النزاع، وليس من حق أي طرف أن يجعله يدفع ثمنه.
كما يساعده كثيرًا أن نحافظ على أكبر قدر ممكن من الاستقرار في حياته؛ مدرسته، أصدقائه، عاداته اليومية، ووقته مع كل من والديه. وجود روتين واضح وأشياء ثابتة يمنحه شعورًا بأن حياته لم تنهَر بالكامل، حتى لو تغير جزء مهم منها.
ومن المهم أيضًا أن نسمح له بالحزن والغضب والخوف. قد لا تكون ردود أفعاله دائمًا كما نتوقع، وقد يكرر الأسئلة أو يصبح أكثر حساسية أو انعزالًا. لا يحتاج في هذه اللحظة إلى محاضرات، بل إلى شخص يسمعه ويطمئنه ويعطي مشاعره مساحة آمنة.
وأخطر ما يمكن أن نفعله هو تشويه صورة الطرف الآخر أمامه.
فالطفل لا يرى والديه كطرفين متخاصمين فقط، بل يرى في كل منهما جزءًا من نفسه. لذلك، حين نطلب منه أن يكره أحدهما أو نشحنه ضده، فإننا نضعه في صراع داخلي مؤلم.
انتهاء الزواج لا يعني انتهاء دور الأب أو الأم. قد تتغير العلاقة بين الزوجين، لكن مسؤولية الاثنين تجاه أبنائهما تستمر. ومن أهم الرسائل التي يحتاج الطفل إلى سماعها بوضوح:
“أنت لست السبب، ولن تضطر إلى الاختيار بيننا، وحبنا لك لن يتغير.”
وفي بعض الحالات، قد يحتاج الطفل إلى دعم متخصص، خاصة إذا استمرت تغيرات واضحة في سلوكه أو نومه أو دراسته أو علاقاته. طلب المساعدة النفسية هنا ليس دليلًا على وجود مشكلة في الطفل، بل وسيلة لمساندته في عبور مرحلة صعبة بطريقة أكثر أمانًا.
في النهاية، قد لا نستطيع أن نجعل الانفصال بلا ألم، لكن يمكننا أن نمنع هذا الألم من التحول إلى جرح عميق.
فالطفل لا يحتاج إلى أسرة لم تتغير أبدًا، بقدر ما يحتاج إلى والدين يعرفان كيف يحمونه عندما تتغير الحياه..









