صفوت عباس يكتب : (قِلْة بركة الفلوس.تضخم الكراس وتضخم الناس)

”الفلوس قيمتها قلت” تعبير دارج شهير يستخدمه الناس لوصف التضخم الاقتصادي، والأقل منه «الفلوس قلّت بركتها». ولا يهتم الناس مطلقًا بتعريفات المتخصصين في الاقتصاد والأكاديميين وضيوف البرامج الحوارية أو الإخبارية، وما تعرضه القنوات المهتمة بالشأن الاقتصادي، وما تقوله عن «التضخم». وإن كان وافيًا، فإن فهمه حسب نصوصه المنمقة المعقدة يتجاوزه الناس لتعبيراتهم الدارجة ويعتبرونها وافية.
نادرًا ما يمر يوم دون أن نسمع أو نشاهد في أي وسيلة نتعرض لها حديثًا مملًا ومطولًا عن التضخم الذي تئن منه أغلب شعوب العالم، ويحتل علاجه حيزًا في برامج السياسيين، ويؤدي فشلهم في احتوائه إلى تظاهرات وسقوط حكومات في دول يُفترض أن شعوبها بوعي يمنحها فرصة فهم الظروف الطبيعية (الجوائح ككورونا) والعوامل البشرية (الحروب والنزاعات).
الشعوب تئن عندما تقع تحت ضغط عدم وفاء دخل الأفراد لتأمين حياة معقولة بالنسبة لهم، وتتراوح تلك الحياة ما بين الترف في البلاد الغنية وبين الستر و«نتعشى وبكرة تتفرج» في الدول ذات الاقتصاد البائس بفعل قلة موارد أو سوء إدارة أو فساد أو غياب رؤية.
الناس لا تعنيهم تعقيدات تعريفات (مؤشر أسعار المستهلكين أو تضخم الطلب أو تضخم التكاليف)، ولا تعريفات المؤسسات المالية الكونية كالبنك الدولي، ولايهتمون بمعني ميزان المدفوعات ومعدل النمو ولا ارتفاع اسعار النفط لغلق هرمز ولا يفهمون معني قطع سلاسل الإمداد، الاقتصاد بالنسبه للناس هو عيش ممكن سهل وكسب متاح ، و يعنيهم أن ما يتقاضونه من أجر أو معونة لا يفي بسد حاجتهم إلى الطعام أولًا، ثم باقي احتياجاتهم الضرورية التي تضمن لهم أن يكونوا فقط أحياء.
المترفون من دول بشعوبها يتميزون بانخفاض معدلات التضخم لاستقرار أسعار الصرف التي تحميهم من تضخم التكاليف، والأغنياء في الدول البائسة تحميهم ضخامة ثرواتهم وعلو دخولهم المستدامه من ارتفاع الأسعار.
فئة أصحاب الدخل المحدود من أصحاب المرتبات أو دعم الحماية الاجتماعية، الذين ينتظرون علاوات سنوية لرواتبهم يُفترض أنها تعادل مستوى التضخم، هم أكثر تضررًا من فعل التضخم؛ لأن العلاوات بأي حال لا تفعل ذلك. بينما المهنيون بعمل حر مثل الأطباء ومثلهم الحرفيون فقد سعّروا خدماتهم بمعدلات تفوق حجم التضخم (كمثال بلغ سعر الفحص عند كبار الأطباء ٢٠٠٠ جنيه)، وتجاوزت أسعار السباك والكهربائي حدود قدرات فئات أصحاب الدخل المحدود، مما زاد من وطأة التضخم عليهم.
الإجراء الأكاديمي الحكومي الأشهر في كل دول العالم، والذي تتبناه لجان السياسات النقدية في كل البنوك المركزية، هو (رفع سعر الفائدة) كإجراء لسحب الكتلة النقدية من السوق، باعتبار أن النقود بيد المستهلكين تصنع زيادة في الطلب تؤدي إلى تضخم الطلب. وهذا يغفل علاج التضخم الذي تصنعه ارتفاع تكلفة إنتاج السلع (تضخم مستورد أو تكاليف)، ويغفل هذا الإجراء أيضًا أن رفع الفائدة يكبل الاستثمار المعتمد على الائتمان، فيحدث تباطؤ نمو وقلة إنتاج تخلق تضخمًا!
تتجاهل البنوك المركزية في الدول الفقيرة، عندما ترفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، أن الكتلة الكبيرة صانعة الطلب من الفقراء الذين لا يعرفون ترف التوفير ولا يزورون مقرات البنوك؛ لأنه ليس لديهم فائض لإيداعه في ودائع أو يستثمرونه في أدوات الدين الحكومي، وحسب القول الدارج عندهم «اللي جاي قد اللي رايح» أو أقل منه بكثير. وعليه فإن التقليد برفع سعر الفائدة يختبئ به مكافحة هروب الأموال الساخنة المستثمرة في أدوات الدين الحكومي، فترتفع أسعار الصرف لترتفع تكاليف مكونات الإنتاج وتنتج تضخمًا!!.
الشعوب في الدول الفقيرة تحتاج إلى رعاية فائقة تمر بها من مرحلة ارتفاع التضخم، وتقديم دعم عيني ونقدي لضمان سعر سلع أقل وتيسير الخدمات، مع رقابة صارمة للأسواق لمنع تغول المحتكرين وخنق التسعير المبالغ فيه، مع تخفيف الرسوم أو إلغائها، وإن تيسر السعي بدأب لتمكين الفقراء بفرص عمل أو تمليك تعفيهم مستقبلًا من الوقوع في براثن أوجاع التضخم، مع شفافية مطلقة وإعلام أمين شارح؛ لأن العجز الحكومي مرجعه عوز اقتصادي عام وعجز في الموارد، مع تبني سياسات عبقرية لرفع معدلات النمو وزيادة الإنتاج ليصل العرض إلى مراحل الوفرة التي تخنق التضخم وتزيد بركه الفلوس وقيمتها.










