د. باسم المذحجي يكتب: توظيف تأثير “الالتفاف حول العلم” Rally ’round the Flag Effect كأداة للبقاء السياسي – دراسة حالة: ترمب ونتنياهو

تتناول هذه الدراسة فرضية لجوء القيادات السياسية التي تواجه خطر فقدان الأغلبية التشريعية أو تعثر تشكيل الحكومة إلى افتعال أو توظيف أزمة خارجية كبرى لتحقيق تأثير “الالتفاف حول العلم”. وتعتمد الدراسة على بيانات مراكز الاستشراف الإحصائي الأمريكية التي تتوقع انقلابًا تشريعيًا في انتخابات التجديد النصفي 2026 لصالح الديمقراطيين، وعلى المأزق السياسي الإسرائيلي بعد انتخابات أكتوبر 2026. وتخلص الدراسة إلى أن الحرب على إيران تمثل السيناريو الأعلى عائدًا سياسيًا لكلا من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، مع تحليل ثلاثي المسارات لاستراتيجية الخروج.
أولًا: المقدمة والإشكالية.
تقوم الديمقراطيات الغربية على مبدأ التداول والرقابة التشريعية. لكن عند اقتراب خسارة هذه الرقابة، تلجأ السلطة التنفيذية تاريخيًا إلى ما يسمى بـ “التأثير الرئاسي للحرب”.
الإشكالية البحثية:هل يمكن أن تمثل الحرب على إيران أداة تكتيكية مقصودة لإجهاض نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية 2026 وتعطيل المسار السياسي الإسرائيلي الداخلي؟
ثانيًا: الإطار النظري – تأثير الالتفاف حول العلم.
صاغ جون مولر John Mueller هذا المفهوم عام 1970. ويقوم على ثلاث ركائز:
1. التأثير النفسي الجمعي: ميل المواطنين غريزيًا لدعم القيادة في لحظة الخطر الخارجي.
2. تواطؤ النخبة المؤقت: اضطرار المعارضة (حتى الديمقراطيين في الكونغرس) لتعليق الهجوم على الرئيس حتى لا تتهم بعدم الوطنية.
3. احتكار المعلومات:سيطرة البيت الأبيض على المعلومة الاستخباراتية والعسكرية خلال الأيام الأولى للحرب.
تاريخيًا: ارتفعت شعبية جورج بوش الأب من 59% إلى 89% بعد حرب الخليج 1991، وشعبية جورج بوش الابن من 51% إلى 90% بعد 11 سبتمبر.
ثالثًا: المعطيات الكمية – استشراف الكونغرس 2026
تعتمد الدراسة على متوسط 5 مراكز كبرى: Cook Political, Sabato, Inside Elections, FiveThirtyEight, Decision Desk.
1. مجلس النواب:
– الوضع الراهن: 220 جمهوري – 215 ديمقراطي (أغلبية هامشية جدًا)
– التوقع النهائي المرجح: 237-238 ديمقراطي مقابل 197-198 جمهوري.
– صافي الخسارة: -22 مقعدًا للجمهوريين. هذا يعني فقدان السيطرة على اللجان، والقدرة على إصدار مذكرات الاستدعاء Subpoenas، وبدء تحقيقات في ملفات إدارة ترامب المالية والتجارية وملفات عائلته.
2. مجلس الشيوخ:
– الوضع الراهن: 53 جمهوري – 47 ديمقراطي (مع المستقلين)
– التوقع النهائي: 51 ديمقراطي مقابل 49 جمهوري
– صافي الخسارة: -4 مقاعد، كافية لنقل الأغلبية ورئاسة اللجان السيادية.
هذا السيناريو هو الدافع البنيوي للبحث عن مخرج خارجي.
رابعًا: كيف تخدم الحرب على إيران ترمب؟
تحقق الحرب ثلاث وظائف مباشرة:
أ. تجميد وظيفة الرقابة: وجود حالة حرب يمنح الإدارة ذريعة قانونية لرفض الاستجابة لمذكرات الاستدعاء تحت بند “الامتياز التنفيذي – الأمن القومي” Executive Privilege. أي تحرك ديمقراطي للتحقيق سيتم تصويره إعلاميا كـ “عرقلة لجهود الحرب”.
ب. توسيع الصلاحيات التنفيذية: قوانين مثل قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية IEEPA وقانون تفويض استخدام القوة العسكرية AUMF تمنح الرئيس سلطات إدارة الاقتصاد وتوجيه الموارد دون العودة للكونغرس.
ج. إعادة ضبط الأجندة الإعلامية: تحويل النقاش العام من قضايا داخلية (التضخم، الملفات القضائية) إلى قضية وجودية واحدة.
خامسًا: كيف تخدم الحرب نتنياهو؟
الوضع الإسرائيلي بعد انتخابات أكتوبر 2026: حصل الليكود وحلفاؤه على 53 مقعدًا فقط، دون عتبة 61 لتشكيل الحكومة. نتنياهو يدير حكومة تصريف أعمال.
1. تعطيل المحاسبة القضائية: حالة الطوارئ الأمنية تؤجل جلسات المحاكم وتجعل مطلب إقالة رئيس وزراء في حالة حرب مطلبًا غير شعبي.
2. إعادة تسويق الذات كـ “السيد أمن”: عبر تضخيم التهديد الإيراني وربطه بعمليات مشتركة مع واشنطن، يقدم نفسه كـ القائد الضروري الوحيد.
3. شل قدرة المعارضة: يصعب على غادي آيزنكوت وكتل الوسط حجب الثقة أو فرض انتخابات جديدة والجنود في الميدان.
4. فرض الأمر الواقع في ملف “اليوم التالي”: استمرار الحرب يسمح بالتنسيق مع اليمين المتطرف (سموتريتش وبن غفير) لقطع الطريق أمام أي تسوية تفرضها الإدارة الأمريكية أو المجتمع الدولي، ومنع مسار حل الدولتين.
سادسًا: استراتيجية الخروج – النصر الحقيقي مقابل النصر التكتيكي.
تفترض الدراسة أن النصر العسكري التكتيكي وحده سيكون كارثيًا إن لم يترافق مع هندسة سياسية جديدة. وتقترح ثلاثة مسارات متلازمة:
المسار 1: معاهدة أمنية إقليمية جديدة (نموذج هلسنكي شرق أوسطي)
لا يكفي تدمير البرنامج النووي. الحل المستدام هو إدماج إيران، سواء بنظام جديد أو بنظام معدل السلوك جذريًا، في منظومة أمن جماعي. المقابل: تفكيك كامل قابل للتحقق للبرنامج النووي العسكري مقابل رفع العقوبات الشامل وفتح استثمارات بمئات المليارات. هذا يحول إيران من مصدر تهديد إلى شريك مضبوط.
المسار 2: حل القضية الفلسطينية كشرط للاستقرار
تؤكد أدبيات مكافحة التمرد أن الفراغ السياسي يولد التطرف. لا استقرار لممرات الطاقة ولا لأمن إسرائيل دون كبح مشاريع الضم ووقف الاستيطان والذهاب لخيار الدولتين بدولة فلسطينية قابلة للحياة. وإلا فإننا سننتج جيلًا أكثر راديكالية من حماس والجهاد.
المسار 3: تدويل أمن الممرات وتحويل اقتصاد الحرب لاقتصاد تنمية.
تحويل مضيق هرمز وباب المندب من مناطق نفوذ ميليشياوي إلى ممرات دولية آمنة تحت القانون الدولي، وإعادة توجيه 15-20% من الإنفاق العسكري الإقليمي (المقدر بـ 200 مليار دولار سنويًا) نحو صندوق تنمية مشترك.
الخاتمة..
الالتفاف حول العلم تأثير حقيقي لكنه قصير المدى (3-6 أشهر في المتوسط). استخدامه بدون استراتيجية خروج واضحة لن يحول النصر التكتيكي إلى نصر استراتيجي،.
إن ما نشهده ليس مجرد توظيف عابر لتأثير “الالتفاف حول العلم”، بل هو تحول بنيوي في طبيعة القيادة السياسية لدى كل من ترامب ونتنياهو: التحول من رئيس مدني يُحاسَب، إلى جنرال حرب لا يُساءل.
عندما تتجه مراكز الاستشراف إلى تأكيد خسارة الجمهوريين لـ 22 مقعدًا في النواب و4 مقاعد في الشيوخ، وعندما يفشل نتنياهو في تأمين 61 مقعدًا ويبقى أسير حكومة تصريف أعمال بـ 53 مقعدًا، فإن صندوق الاقتراع يصبح هو العدو. والحل الوحيد للهروب من صندوق الاقتراع هو نقله إلى ساحة المعركة.
ترمب لن يخوض الانتخابات القادمة كمرشح جمهوري تقليدي من داخل البيت الأبيض. سيخوضها كـ “جنرال من خارج المؤسسة العسكرية” يخاطب الأمة من غرفة العمليات، من على متن حاملة طائرات، من مقر القيادة المركزية. في هذه الصورة الجديدة، لا يوجد مكان لمذكرات الاستدعاء، ولا لتحقيقات الكونغرس في أموال العائلة، ولا لمساءلة عن تضارب المصالح. هناك فقط أمر واحد: “لا تسائلوا القائد وهو يقود الحرب”.
وهنا تكمن الخطورة التاريخية: تأثير الالتفاف حول العلم يرفع شعبية الرئيس لـ 90% لكنه تأثير قصير الأجل، لا يدوم أكثر من 6 أشهر. وبمجرد أن يتبدد دخان المعركة، يعود الرئيس-الجنرال ليجد نفسه أمام نفس الكونغرس مجددًا،
لذلك فإن النصر الحقيقي ليس في إعلان الحرب على إيران فقط، بل في امتلاك استراتيجية خروج تحول النصر التكتيكي إلى نصر استراتيجي. بدون معاهدة أمنية إقليمية تدمج إيران، وبدون حل جذري للقضية الفلسطينية، وبدون تأمين الممرات الدولية، فإن ما سيفعله ترامب ونتنياهو ليس خلودًا كجنرالات، بل سطورًا جدبدة في تاريخ يكتب.
باحث استراتيجي يمني.










