إميل أمين يكتب: إنتخابات الكونغرس أم معركة روح الجمهورية ؟

تبدو الولايات المتحدة الأميركية نهار الثلاثاء القادم، على موعد مع إنتخابات غير إعتيادية، وعلى الرغم أنها ليست إنتخابات رئاسية، إلا أنها تكاد تضحى سيناريو مسبق لما ستجري به المقادير عام 2028.
” هل الولايات المتحدة الأميركية على قلب رجل واحد عشية مسيرة التجديد النصفي للكونغرس؟ وإذا لم يكن ذلك كذلك، فما هي أخطر الإنقسامات التي يمكن أن تصيب روح الجمهورية الأميركية في سويداء القلب؟
على سطح الأحداث، يبدو التشظي السياسي مستفحلا، بين التيار اليساري المعروف ب”حركة الإشتراكيين اليمقراطيين” من جهة، وبين جماعة ” ماغا” الساعية لجعل أميركا عظيمة من جديد، عطفا على الخلافات المؤدلجة التي تحولت إلى صراعات ظاهرة بين الليبراليين والمحافظين، المؤيدين للديمقراطية والسلطويين، الأنجلوساكسون والملونين.
لكن ومن جديد تبدو هناك إشكالية أكثر عمقا في الروح الأميركية، على عتبات صناديق الإقتراع.
في قراءة مطولة يقر الكاتب والصحافي الأميركي “هاميلتون دولان”، المتخصص في شؤون السياسة والإقتصاد والمساواة الإجتماعية، بأن هناك إنقساما أشد وطأة، وصراعا أكثر ضراوة في الداخل الأميركي، يكاد يثير قلاقل في نفوس الأميركيين بصورة مخيفة .
إنه صراع رأس المال والعمل، ما يفقد الجمهورية روحها القائمة على المساواة، ويفتح الباب واسعا أمام التحول إلى إمبراطورية منحولة أبوكريفية .
يبغي دولان القول أن فئة صغيرة من الأميركيين تكدس الأموال، وتستخدمها للتأثير السياسي على النظام الأميركي برمته، لا سيما عبر وسائل الإعلام ووسائط التواصل الإجتماعي، تلك التي باتت سيدة قيصر مؤخرا حول العالم .
هنا تكاد روح الجمهورية أن تجرح بعمق، لا سيما أن الديمقراطية، حجر الزاوية الذي رذله البناؤن من الآباء المؤسسين، لا تقتصر على التصويت والإنتخابات فحسب، بل تشمل أيضا توازن القوى بين مختلف المصالح في المجتمع.
خذ إليك أوضاع الحزب الجمهوري، والذي دخل إنتخابات التجديد النصفي، بخزينة تحوي على نحو أربعمائة مليون دولار، للدعاية والإنفاق على الحملات الإنتخابية لمرشحي الحزب.
هذا الرقم يمكن أن يغير كثيرا من التوازنات مع المرشحين الديمقراطيين، بل إن بعض التحليلات التي كانت تقطع مؤخرا بأن فوز الديمقراطيين فوزا كاسحا شبه مؤكد، أمر بات مشكوك فيه، وحتى في أفضل الأحوال سيكون هامش الفوز ضئيل، في معركة يكفي فيها تحقيق مكسب صافي قدره أربعة مقاعد فقط في كل من مجلس النواب، ومجلس الشيوخ، ليحقق نقل السلطة، مما يمحي أغلبية الجمهوريين، أو العكس، أي يثبت إحتفاظهم بأغلبية زهيدة.
أخفقت المحكمة العليا في الداخل الأميركي، في وضع حد لسطوة رأس المال، ذاك المتمثل في التبرعات، ما جعل مليارديرات الأوليغارشيات المتعددة، من عسكرية إلى تقنية، ومن نفطية إلى بنكية، تتمتع بنفوذ قاتل لروح الدمقرطة، في مقارنة بالكتل الأخرى في البلاد، وهذا ما يجعل تبني سياسات تقلص بعضا من هذه الثروة مثل ضريبة المليارديرات المقترحة في كاليفورنيا، أمرا بالغ الأهمية.
في قرار صدر في 30 يونيو بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 ، ألغت المحكمة العليا القيود المفروضة على حجم الإنفاق الذي يمكن للأحزاب السياسية إنفاقه بالتنسيق مع مرشحين محددين.
هل سيحدث ذلك فرقا لا سيما في مجلس الشيوخ الذي تمول فيه عملية إعادة الإنتخاب بأموال طائلة، في ولايات مثل أوهايو، وماين، وتكساس، وأيوا وغيرها؟ وبأي مقدار يصيب روح أميركا الحريات والعدالة، ويطفئ أنوار المدينة فوق جبل؟
في أواخر يونيو/حزيران المنصرم ، قدم الفتى المعجزه إيلون ماسك 5 ملايين دولار لكل من لجنة العمل السياسي المرتبطة بقيادة الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ، بالإضافة إلى 5 ملايين دولار للجنة العمل السياسي التابعة لترمبMAGA، وفقا للملفات المقدمة إلى لجنة الإنتخابات الفيدرالية.
لا يبدو أن ماسك وحده من يقدم هذه الملايين، فهناك بقية من أثرياء التكنولوجيا المحدثين يفعلون ذلك جهرا لا سرا، ما يجعل التساؤل مستمر ..أي إنتخابات تلك التي تشتريها الأموال .
يخشى الكثيرون في الداخل الأميركي على روح الجمهورية مع إنتخابات الثلاثاء القادم، والخوف من تكرار مشهد الكونغرس في 6 يناير 2021، أو ما عرف بموقعة الكونغرس.
يكتب الصحافي الأميركي من مجلة الفورين بوليسي، مايكل هيرش، منذرا ومحذرا من أن تتحول إنتخابات التجديد النصفي إلى نقطة تحول حاسمة أخرى على درب الديمقراطية المهترئة. أما عالم السياسة ” ماثيو داليك”، من جامعة جورج واشنطن، فيرى أن : “الولايات المتحدة في أخطر وضع لها منذ الحرب الأهلية”.
لا تزال أميركا وزنة وازنة حول العالم، ولهذا يأمل المرء أن يكون الثلاثاء القادم موعد للعودة من حافة الهاوية، وليس الهبوط عند دركها الأسفل.










