الحصار الأمريكي على كوبا.. دعاوى قضائية وعقوبات مالية وتداعيات تمتد إلى الصحة والتعليم والاقتصاد
فاطمة بدوي

،
سلّط تقرير حول تداعيات الحصار الأمريكي المفروض على كوبا الضوء على الآثار الاقتصادية والإنسانية المترتبة على تطبيق قانون هيلمز-بيرتون، وإدراج كوبا على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، معتبرًا أن هذه الإجراءات أسهمت في توسيع نطاق الضغوط المالية والتجارية على الجزيرة، وأثرت على علاقاتها الاقتصادية مع الدول والشركات الأجنبية.
وأوضح التقرير أن الباب الثالث من قانون هيلمز-بيرتون، الذي يتيح رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية بشأن التعامل مع ممتلكات أمّمتها الحكومة الكوبية، أصبح أحد أبرز أدوات الضغط على المستثمرين والشركات الأجنبية، في ظل مخاوف من التعرض لملاحقات قضائية بسبب أنشطتهم التجارية في كوبا.
وبحسب التقرير، بلغ عدد الدعاوى المرفوعة بموجب هذا الباب 46 دعوى حتى نهاية مارس 2026، لا يزال 24 منها قيد النظر، وتشمل قطاعات السياحة والشحن والتعدين والبناء وتوريد الوقود والطيران والزراعة.
وأشار التقرير إلى أن تأثير هذه الإجراءات امتد إلى شركات خارج الولايات المتحدة، مستشهدًا بحالة أسرة كندية واجهت صعوبات في حجز رحلات وإقامة في كوبا عبر منصة «إكسبيديا»، بسبب القيود التي فرضتها المجموعة على الحجوزات إلى الجزيرة، وفقًا لما أورده مقال نشره موقع «ذا بوينتر» في 21 يناير 2026.
كما اعتبر التقرير أن إدراج كوبا على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب أدى إلى زيادة حذر المؤسسات المالية الدولية والشركات التجارية في التعامل مع الجزيرة، خشية التعرض لعقوبات أمريكية، مشيرًا إلى أن 34 مؤسسة مصرفية دولية علّقت تعاملاتها مع كوبا أو رفضت تنفيذها خلال الفترة من مارس 2025 إلى فبراير 2026، وفقًا للبيانات الواردة فيه.
وأضاف أن القيود المالية تسببت في تعطيل تحويلات مخصصة لشراء الأغذية والأدوية والوقود، ودفعت بعض الموردين إلى إنهاء علاقاتهم التجارية مع كوبا، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التمويل والإمدادات الأساسية، وتأثر خدمات الدفع والمنصات الرقمية والخدمات المصرفية المقدمة للبعثات الدبلوماسية الكوبية.
وتناول التقرير عددًا من الإجراءات العقابية التي اتخذها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، من بينها فرض غرامة بقيمة 608 آلاف و825 دولارًا على شركة «كي هولدينغ» في يوليو 2025، على خلفية خدمات لوجستية لشحنات بضائع متجهة إلى كوبا، إلى جانب غرامة أخرى بقيمة 11.8 مليون دولار على شركة «إنترأكتيف بروكرز» بسبب خدمات مالية قال المكتب إنها خالفت نظام العقوبات المفروض على الجزيرة.
**تداعيات إنسانية وصحية**
وعلى الصعيد الإنساني، أشار التقرير إلى أن تداعيات الحصار امتدت إلى قطاعات الصحة والتعليم والنقل والبناء والزراعة، مؤكدًا أن صعوبات الحصول على الأدوية والمعدات الطبية وقطع الغيار والمواد الخام انعكست على قدرة المؤسسات الكوبية على تقديم الخدمات الأساسية.
وذكر التقرير أن معدل وفيات الرضع في كوبا ارتفع من 4 حالات لكل ألف مولود حي عام 2018 إلى 9.9 حالة عام 2025، كما أشار إلى عدم توافر 300 مستحضر من أصل 395 مستحضرًا ضمن منظومة الأدوية الأساسية الوطنية، بسبب صعوبات الحصول على المواد الخام ومدخلات الإنتاج.
ولفت إلى أن القيود المفروضة على شراء التكنولوجيا الطبية، إلى جانب مخاوف الشركات من العقوبات، حدّت من قدرة المؤسسات الصحية على الحصول على أجهزة ومستلزمات متقدمة، لا سيما في مجالات علاج الأورام وأمراض الكلى والقلب والفحوص الوراثية.
كما تناول التقرير تأثير نقص الأجهزة والبطاريات وقطع الغيار على خدمات التعليم الخاص، بما في ذلك الخدمات المقدمة للأطفال ذوي الإعاقات السمعية والبصرية، مشيرًا إلى تراجع كفاءة بعض المعدات المستخدمة في مدارس التعليم الخاص وصعوبة صيانتها أو استبدالها.
وفي قطاع البناء، أشار التقرير إلى انخفاض إنتاج الأسمنت الوطني خلال عام 2025، وما ترتب عليه من صعوبات في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والإسكان والطرق والمطارات. كما تحدث عن أزمة حادة في منظومة النقل العام بالعاصمة هافانا، نتيجة نقص الحافلات والوقود.
**تراجع الاستثمارات والسياحة**
وفيما يتعلق بالاقتصاد، أوضح التقرير أن القيود المالية والتجارية أثرت على تدفقات الاستثمار الخاص والأنشطة المرتبطة بالسياحة، مشيرًا إلى تراجع الاستثمارات في مناطق الترميم ذات الأولوية في هافانا بالتزامن مع انحسار النشاط السياحي.
وفي المقابل، أشار إلى أن تخفيف القيود خلال السنوات الأخيرة من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ارتبط بزيادة الاستثمارات الخاصة في الإقامة والمطاعم والترفيه، وأسهم في تنشيط أعمال ترميم العقارات في المركز التاريخي للعاصمة الكوبية.
كما أشار إلى تراجع إنتاج الأرز في كوبا، موضحًا أن الإنتاج بلغ 1.9 طن للهكتار عام 2025، مقابل 4.21 طن للهكتار عام 2018، وفقًا للأرقام الواردة في التقرير، الذي ربط هذا التراجع بالتحديات التي تواجه القطاع الزراعي وصعوبة الحصول على مستلزمات الإنتاج والتمويل.
**تصاعد التوترات السياسية والضغوط على التعاون الطبي
وتطرق التقرير إلى التصريحات الصادرة عن مسؤولين أمريكيين بشأن كوبا، معتبرًا أنها تعكس تصاعد الضغوط السياسية والتهديدات الموجهة إلى الحكومة الكوبية، في ظل تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن أنشطة استطلاع قرب السواحل الكوبية وتحديث خطط الطوارئ المتعلقة بالجزيرة.
كما انتقد الإجراءات الأمريكية التي استهدفت برامج التعاون الطبي الكوبي في دول أخرى، مشيرًا إلى فرض قيود على تأشيرات مسؤولين أجانب على خلفية ارتباطهم بهذه البرامج خلال عام 2025.
وأكد التقرير أن اتفاقيات التعاون الطبي الكوبي مع الدول الأخرى تمثل، من وجهة نظره، نموذجًا للتعاون بين بلدان الجنوب، وأن الضغوط الرامية إلى إنهائها تنعكس على الخدمات الصحية المقدمة للمستفيدين منها.
وخلص التقرير إلى أن تطبيق قانون هيلمز-بيرتون وإدراج كوبا على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب أسهما، وفقًا لما أورده، في توسيع نطاق القيود المفروضة على الجزيرة، مع تداعيات تتجاوز الاقتصاد لتطال الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، فضلًا عن العلاقات التجارية والمالية مع الأطراف الدولية.










