إيمان سعيد تكتب: حين تجوع الروح للاحتواء… قد تشبع بالوهم

قد لا تعرف بعض الفتيات لماذا يتعلّقن بشخصٍ بعينه إلى هذا الحد، ولماذا تصبح رسالة منه قادرة على تغيير يومهن، بينما يكفي غيابه ليترك في داخلهن قلقًا لا يتناسب مع مدة العلاقة ولا مع حجم ما قدّمه الطرف الآخر. يظنن أنهن وقعن في الحب، وقد يكون الأمر كذلك، لكن أحيانًا تختبئ خلف هذا التعلّق حكاية أقدم من العلاقة نفسها؛ حكاية احتياجٍ لم يجد طريقه إلى الإشباع، فظل يبحث عن وجهٍ يحتويه.
تبدأ بعض الحكايات من طفولةٍ لم يكن ينقصها الطعام أو التعليم، بل كان ينقصها ذلك الشعور الذي لا يُشترى: أن تكون البنت مطمئنة لأنها تعرف أن هناك أبًا يراها، يسمعها، ويمنح مشاعرها مساحةً من الاهتمام. أبًا لا يكتفي بأن يكون مسؤولًا عن حياتها، بل يشاركها تفاصيلها، ويُشعرها بأن ضعفها ليس عبئًا، وأن الخطأ لا يسلبها حقها في الحب، وأنها ليست مضطرة إلى إثبات جدارتها بالاهتمام في كل مرة تحتاج إليه.
فالأب، في حياة ابنته، ليس مجرد دورٍ عائلي يؤديه، بل علاقة تُسهم في تشكيل نظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين. ومن خلال حضوره واحتوائه تتعلم أن الحب لا يحتاج إلى مطاردة، وأن الاختلاف لا يعني الهجر، وأنها تستطيع التعبير عن احتياجاتها دون خوفٍ من أن تصبح ثقيلةً على من تحب.
لكن حين يغيب هذا المعنى، سواء بغياب الأب نفسه أو بوجوده الجسدي مع غياب احتوائه العاطفي، قد تكبر البنت وهي لا تدرك تمامًا ما ينقصها. تبدو حياتها مكتملة من الخارج، وربما تكون قوية ومستقلة وناجحة، لكنها قد تجد صعوبةً في تصديق أنها تستحق الحب دون أن تبذل جهدًا مضاعفًا للحصول عليه. وهكذا يتحول الاحتياج القديم، الذي لم تجد له اسمًا في طفولتها، إلى شعورٍ يرافقها في علاقاتها دون أن تنتبه إلى مصدره.
ثم يأتي شخصٌ يعرف كيف يُصغي إليها، يتذكر تفاصيلها، ويسأل عنها في الوقت الذي اعتادت فيه ألّا يسأل أحد. لا يحتاج الأمر إلى وعودٍ كبيرة؛ أحيانًا تكفي بضع كلمات صادقة، أو لحظة اهتمامٍ جاءت في وقتٍ كانت فيه الروح متعبة، حتى تمنحه مكانةً تتجاوز ما بينهما بالفعل.
المشكلة ليست في أن تفرح بالاهتمام، فهذا حقها الطبيعي، وإنما في أن يصبح هذا الاهتمام دليلها الوحيد على قيمتها، فتخشى فقدان صاحبه أكثر مما تخشى فقدان سلامها النفسي. عندها قد تتسامح مع الغياب المتكرر، وتبحث عن الأعذار للإهمال، وتمنح الوعود الصغيرة وزنًا أكبر من الأفعال، لأنها لا تتعامل مع العلاقة في حاضرها وحده، بل تحمل إليها، دون وعي، أملًا قديمًا بأن يأتي أخيرًا شخصٌ يمنحها الأمان الذي افتقدته.
وهنا تتغير طبيعة التعلّق؛ فلا تعود متمسكةً بالشخص كما هو، بل بالصورة التي تتمنى أن يصبح عليها، ولا تنتظر منه ما يقدمه فعلًا، بل ما تأمل أن يقدمه يومًا. وقد تجد نفسها تدافع عن علاقةٍ تؤلمها، لا لأنها لا ترى أذاها، بل لأن فكرة العودة إلى الفراغ تبدو لها أشد قسوةً من البقاء في علاقةٍ تمنحها القليل وتحرمها الكثير.
حين تجوع الروح للاحتواء، قد لا تخطئ في معرفة حاجتها إلى الحب، لكنها قد تخطئ في اختيار المكان الذي تبحث فيه عنه.
ومع ذلك، لا يعني غياب الأب أن ابنته محكومٌ عليها بالتعلّق المؤذي، ولا أن كل فتاةٍ عاشت حرمانًا عاطفيًا ستبحث عن التعويض في علاقاتها. فالإنسان أكثر تعقيدًا من أن يفسره سببٌ واحد، وقد تجد الفتاة في أمها أو أسرتها أو علاقاتها الصحية ما يساعدها على بناء شعورٍ راسخ بالأمان. لكن الحرمان الذي لا يُفهم قد يتحول إلى نقطة ضعف، بينما يساعد الوعي به على استعادة الاختيار بدلًا من تكرار الأنماط نفسها.
من هنا تأتي مسؤولية الأب، التي تتجاوز توفير الاحتياجات المادية إلى بناء علاقةٍ تشعر فيها ابنته بأنها مسموعة ومقبولة. فالحضور الحقيقي ليس أن يعرف أنها عادت إلى المنزل، بل أن يعرف ما الذي أثقل قلبها في طريق العودة. وليس أن يتدخل في حياتها كلما واجهت مشكلة، بل أن يجعلها واثقةً من أنها تستطيع اللجوء إليه دون خوفٍ من التوبيخ أو التقليل من مشاعرها.
قد يظن بعض الآباء أن أبناءهم لا يحتاجون إلى الحنان ما داموا لا ينقصهم شيء، لكن الاحتياجات العاطفية لا تختفي لمجرد أننا لا نراها. والفتاة التي لا تجد مساحةً آمنة للتعبير عن مشاعرها قد تتعلم إخفاءها بدلًا من فهمها، ثم تدخل علاقاتها وهي لا تعرف كيف تطلب الاهتمام بوضوح، أو كيف تضع حدودًا تحميها، أو كيف تغادر حين يصبح البقاء مؤذيًا.
وليس المطلوب أن يكون الأب مثاليًا، أو أن يحمي ابنته من كل خيبة؛ فهذا مستحيل. المطلوب أن يمنحها علاقةً مستقرة تساعدها على إدراك أن الحب لا يُقاس بقدر ما تتحمله من ألم، وأن الخلاف لا يُسقط قيمتها، وأنها تستطيع أن تقول «لا» دون أن تشعر بأنها تخاطر بفقدان كل شيء.
أما الفتاة التي اكتشفت متأخرةً أن بعض تعلّقها كان محاولةً لتعويض نقصٍ قديم، فليس عليها أن تقضي عمرها في لوم أبيها أو معاقبة نفسها. يكفي أن تبدأ في فهم مشاعرها، وأن تفرّق بين الحنين إلى الأمان والتعلّق بشخصٍ لا يمنحها إياه، وأن تتعلم أن احتياجها إلى الحب لا يبرر قبول علاقةٍ تنتقص منها.
فالتعافي لا يعني أن تصبح مكتفيةً عن الآخرين، بل أن تتمكن من الاقتراب منهم دون أن تفقد نفسها، وأن تحب دون أن تجعل الخوف من الفقدان هو الذي يختار عنها، وأن تدرك أن قيمتها ثابتة، حتى حين يرحل أحدهم أو يتغير.
في النهاية، قد لا يستطيع الأب أن يمنع عن ابنته كل وجع، لكنه يستطيع أن يمنحها أساسًا يساعدها على عبور الحياة دون أن تبحث في كل علاقةٍ عن إجابةٍ لسؤالٍ قديم: هل أنا جديرةٌ بأن يحبني أحد؟
فأقسى ما يتركه الغياب ليس دائمًا الوحدة، بل أن تكبر الفتاة وهي تظن أن عليها أن تفعل الكثير حتى تستحق ما كان ينبغي أن يصل إليها دون استجداء: الحب، والاهتمام، والشعور بالأمان..









