مقالات الرأى

محمد محمود عيسى يكتب : كلية الشرطة وكلية الطب

أيام قليلة قادمة وتمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي بالتهاني والتبريكات لكل الطلاب وأولياء أمورهم ممن التحقوا بكلية الشرطة أو إحدى الكليات العسكرية حالة من الصخب الشديد تصيب صفحات الفيس بوك وحالات من التهنئة والمباركة لأولياء  الأمور وأهاليهم .  وأنا هنا لا انتقص من حالة الفرحة ولا أقلل من حالات التهنئة وما أريد أن أؤكد عليه أيضا أنني لا أقلل من شأن كلية الشرطة أو الكليات العسكرية بل على العكس أنا على المستوى الشخصي من أشد المعجبين والمؤيدين لكليات الشرطة والكليات العسكرية وأحرص كل الحرص في كل عام مهما كانت مشاغلي على أن أحضر حفلات تخرج الطلاب وأشعر بفرحة وفخر وأمل كبير حينما أشاهد فقرات حفلات التخرج وأشعر براحة نفسية وطمأنينة كبيرة أن هذه البلد قد اختصها الله برجال أشداء أقوياء أمناء يحملون الأمانة ويدافعون عن بلدهم بكل جسارة ويطولة وفداء صورة عظيمة وفاخرة من شباب مصر العظيم صورة تغسل بداخلك كل اليأس من الصور السوداء الباهتة التي تراها في بعض الأعمال الفنية أو تشاهدها لدى من يصدرون لك اليأس والإحباط من شباب مصر في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام

ولكن أنا أناقش هنا حالة مجتمعية لدى قطاع عريض من المجتمع وخاصة في محافظات الصعيد والتي تعتبر أن انتساب ابنها لكلية الشرطة هو جزء مهم من تكملة حالة النفوذ والتأثير المجتمعي وتعريف للآخرين بمدى قوة علاقات وتواصل وتاثير من تحاول أن تلحق أحد أبنائها بكلية الشرطة حتى أنني أستطيع أن أؤكد لك أن الكثير من هذه العائلات ثقافتها بعيدة إلى حد كبير عن رسالة وفلسفة الأمن والعمل الشرطي ولكن كل ما يربطهم بهذه المنظومة الأمنية الراسخة هو إضافة شخصية لرصيد الأسرة والعائلة في المجتمع ومن الغريب جدا أن هذه الحالة من التسابق المحموم على الالتحاق بكلية الشرطة من قبل هذه الأسر والعائلات والأفراد قد تكون على النقيض تماما من حالة النقد لدى بعضهم لبعض الأراء التي قد تكون متعارضة أحيانا مع بعض الإجراءات الأمنية التي لا تتوافق مع أهوائهم أو مصالحهم الشخصية ولكنها الرغبة المحمومة في انتزاع لافتة مجتمعية تزيد من رصيد العائلة أو الأسرة لدى بقية المجتمع أو تقلل الفوارق بين من هم يرونهم أكثر نفوذا وسلطة وعلاقات في العائلات والأسر أو حتى داخل المدينة والقرية الواحدة

وعلى النقيض من هذا الضجيج والصخب المصاحب للالتحاق بكليات الشرطة والعلوم العسكرية تجد حالة من الهدوء النسبي لدى حالات الالتحاق بكليات الطب أو الهندسة أو طب الأسنان والصيدلة وبقية الكليات العلمية المرموقة الأخرى وأكاد أؤكد لك أن بعض الأسر والعائلات ممن لديهم أحد الأبناء قد يكون حصل على مجموع يؤهله للالتحاق بكلية الطب أو إحدى الكليات العلمية تسعى جاهدة لالحاق ابنها بكلية الشرطة متخطية قواعد قبول ابنها في كلية الطب

والمشكلة هنا ليست في أيهما أفضل كلية الشرطة أو كلية الطب فكلاهما له مكانته العلمية المرموقة ورسالته الوطنية السامية وكلاهما يحمي الوطن والمواطن ويدافع عن أفراده ويؤمن حبهته الداخلية بكل جسارة ووطنية وفداء

ولكن ما يلفت النظر هنا هو رؤية المجتمع وتقييمه وخاصة في الصعيد لكل رسالة ومهنة من هذه المهن الراقية ومسار أفراده في أي طريق وبناء على أي رغبة هل يسير المجتمع في طريق العلم عن قناعة تامة وإيمان برسالته السامية أم يسير في طريق البحث عن النفوذ والسلطة والقوة المجتمعية من وجهة نظرة

من العجيب أن ثقافة المجتمع وخاصة في الصعيد تتمسك بهذه القواعد الثابتة الراسخة ومن المؤكد أيضا أنها ليست على استعداد أن تتخلى عنها وهي قواعد ومعايير القوة والنفوذ والسلطة والعلاقات والتي لابد أن تحميها سلطة قوية ونفوذ قوى لهذا يأتي البحث والسباق حول البحث عن هذه الفرص الشرطية أو الأمنية أو الفرص المعادلة لها في مجال شديد القرب منها ولكن هذا لا يقلل من فرص الالتحاق بكليات الطب أو الكليات العلمية ولكن هناك من يرى في هذه المجتمعات المغلقة أن الالتحاق بالكليات العلمية هو فرصة الجميع وفرصة القادر وغير القادر ولكن قواعد القوة والنفوذ والسلطة والتميز التي تحكم هذه المجتمعات تجعلها دائما تبحث عن فرص التميز والاستقواء بمنصب قوى ونفوذ كبير ولافتة حامية

قد يكون من الصعب أن تبحث الآن عن فرص وإمكانية تغيير ثقافة المجتمع أو حتى إعادة تقييمه للأمور أو حتى محاولات تغيير نظرته لمراكز النفوذ والقوة والسيطرة حسب رؤيته الخاصة والمغلقة لأنه في هذه الحالة سيدافع عنها بكل قوة ويتمسك بها ولا يستطيع أن يفرط فيها وذلك لأنها القواعد التي يمارس من خلالها قوته ونفوذه داخل المجتمع الذي يعيش فيه ولكن عند محاولات تغيير هذه الثقافة لابد أن يكون ذلك مرتبطا بتغيير وإعادة هيكلة لثقافة المجتمع الشاملة ليس تقليلا من فئة على حساب فئة أخرى ولكن محاولة وإعادة ترتيب الرغبات حسب الحاجة الفعلية للبلاد والعباد وليست حسب معايير مغلقة وشخصية بحتة ولكن يجب أن تكون المعايير التي تحكم الجميع هي معايير مجردة وبعيدة عن الأهواء الشخصية وبعيدة أيضا كل البعد عن البحث عن مجرد لافتات تحمى مراكز أو أفراد معايير تقدم النظرة المجتمعية والوطنية الشاملة للجميع وذلك على اعتبار أن كل مواطن هو جندي ومقاتل في عمله يحمي ويدافع ويصنع البطولات والأمجاد

حفظ الله شباب مصر الأبطال الأوفياء كل في مجاله وكل في عمله

زر الذهاب إلى الأعلى