إيمان سعيد تكتب: أب في البطاقة.. غريب في المسؤولية!

إلى كل أب تخلّى عن مسؤولياته، لكنه لم يتخلَّ عن رغبته في السيطرة على أم أولاده!
ماذا يُسمّى الأب الذي يترك أبناءه في مواجهة أعباء الحياة، ويلقي بمسؤولياتهم على أمهم، فتعمل وتتعب وتنفق وتربي وحدها، ثم يعود ليطالبها بالخضوع لأوامره وكأنها لا تملك قرارًا أو كرامة أو حياة تخصها؟!
أيُّ منطق هذا الذي يجعل الأم تتحمل أعباء الأبوة والأمومة معًا، بينما يكتفي الأب بلقبه، محتفظًا لنفسه بحق إصدار الأوامر وفرض الشروط؟ وهل أصبحت تضحياتها ثمنًا تدفعه من عمرها وحريتها مقابل أن يؤدي هو بعض واجباته تجاه أبنائه؟!
الأبوة ليست لقبًا في بطاقة، بل مسؤولية لا تسقط بانتهاء العلاقة الزوجية. وانفصال الرجل عن أم أولاده لا يعفيه من واجباته تجاههم، ولا يمنحه حق تحويل احتياجاتهم إلى وسيلة للضغط عليها أو التحكم في حياتها.
والنفقة ليست منّة، بل حق للأبناء، كما أن رعاية الأم لهم ليست تنازلًا عن كرامتها. فلا يحق لرجل أن يترك امرأة تواجه وحدها أعباء التربية والإنفاق، ثم يتعامل معها باعتبارها تابعة له، مطالبة بتنفيذ أوامره لمجرد أنه والد أطفالها.
بأي حق تطالبها بالطاعة وأنت تتهرّب من المسؤولية؟ وأيُّ رجولة في الاحتفاظ بالسلطة بعد التخلي عن الواجب؟
إن كنت أبًا، فاسأل نفسك: هل كنت حاضرًا حين احتاجك أبناؤك؟ هل شاركت في أعبائهم، وتحملت مسؤولياتهم، وكنت سندًا لهم في أوقات الشدة؟ أم أنك لا تتذكر الأبوة إلا حين تريد أن تفرض رأيك على أمهم؟
الأم التي تعمل وتكافح لتوفّر لأبنائها حياة كريمة لا تحتاج إلى من يزيد أعباءها أو يصادر قرارها. هي إنسانة لها حقوق وحدود، وليست خادمة تؤدي واجباتها تحت سلطة رجل اختار أن يتخلى عن نصيبه من المسؤولية، لكنه لم يتخلَّ عن رغبته في التحكم.
والأشد قسوة أن تُستخدم الأبناء وسيلةً للضغط على أمهم، فيتحولون من أطفال يحتاجون إلى الأمان إلى أطراف في صراع لم يختاروه. هؤلاء الأبناء ليسوا أدوات للانتقام، ولا ملكية خاصة لأي من الوالدين؛ إنهم بشر لهم حق في الاستقرار والحب، بعيدًا عن الحسابات الشخصية والخلافات.
أما الدين الذي يُستدعى للمطالبة بالحقوق، فلا يجوز أن يُغيب حين يأتي وقت أداء الواجبات. فالعدل والرحمة ليسا كلمات تُقال عند المصلحة، ولا يصح أن يطالب الإنسان الآخرين بمراعاتهما بينما يتجاهلهما في سلوكه.
لا تجعل الدين ستارًا للسيطرة، ولا تجعل لقب الأب حصانةً من المحاسبة.
وتذكّر أن صمت الأم لا يعني رضاها، وأن تنازلاتها قد تكون خوفًا على أبنائها، لا اعترافًا بحقك في التحكم بها. وقد تتحمل فوق طاقتها كي لا يشعر أطفالها بما ينقصهم، لكن تضحياتها لا تبرر تقصيرك، ولا تعفيك من مسؤولية اختَرت أن تتركها على كتفيها.
إلى كل أب يكتفي بالاسم ويتهرّب من المسؤولية: لا تطلب احترامًا لم تصنعه أفعالك، ولا تتمسك بسلطة لا يقابلها التزام. فالأبوة ليست امتيازات تحصل عليها متى شئت، بل أمانة تظهر حقيقتها حين تصبح المسؤولية ثقيلة.
وفي النهاية، ليست المأساة أن تنتهي علاقة رجل بامرأة، فالعلاقات قد تنتهي، والطرق قد تفترق؛ المأساة أن يتخلى الأب عن مسؤوليته، ثم يطالب الأم بأن تعوّض غيابه وحدها، وأن تمنحه فوق ذلك حق التحكم في حياتها.
قد تنجح الأم في أن تكون لأبنائها السند والأمان رغم قسوة الظروف، لكنها لا تستطيع أن تجعل تقصير الأب حضورًا، ولا أن تعوّضهم عن كل ما حُرموا منه.
فليس كل من أنجب أدّى حق الأبوة، وليس كل من احتفظ بلقب الأب استحق معناه. والأقسى من أن تخسر احترام أم أولادك، أن يأتي يوم يكبر فيه أبناؤك، فلا يحتاجون إلى أحد ليخبرهم من كنت؛ لأن مواقفك أنت هي التي عرّفتهم بك…









