جمال رشدي يكتب: لا مساس بالدستور التصريح التاريخي للرئيس

تُشكل التصريحات الأخيرة للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن عدم نية تعديل الدستور علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث؛ إذ تؤكد بعمق رسالة احترام الدستور وإرادة الشعب، وتُتوج مساراً وطنياً وحافلاً بدأ بإنقاذ البلاد من براثن الفوضى عقب ثورة 30 يونيو 2013، ومواجهة أعتى التحديات الخارجية والداخلية بحكمة واقتدار. ومع استكمال هذا المسار حتى نهاية الفترة الرئاسية الحالية في عام 2030، تبرز مسؤوليّة استشراف المستقبل لضمان استمرار الوطن واستدامة بنائه.
إن متطلبات المرحلة المقبلة تدعو إلى التفكير الاستراتيجي في إعداد وتجهيز الكوادر القادرة على قيادة الدولة في المستقبل، وتتجلى إحدى الرؤى العملية في تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية خلال السنوات المتبقية، لتكون هذه الفترة بمثابة مرحلة إعداد وتأهيل متكاملة. ويمكن دعم هذا التوجه عبر تأسيس “دائرة لصناعة القرار” تضم نخبة من العلماء والخبراء والمتخصصين، ولا سيما الكفاءات المصرية الشابة والبارزة في الخارج، لتتولى هذه الدائرة وضع السياسات العامة والرؤى الاستراتيجية للملفات الداخلية، تحت قيادة نائب الرئيس وبإشراف مباشر من رئيس الجمهورية.
ولعل الواقع السياسي الراهن يُظهر بوضوح أن الأحزاب المدنية والمؤسسات السياسية ما زالت تعاني من الهشاشة وتفتقر إلى القدرة على إفراز قيادات رئاسية قادرة على تحمل المسؤولية بعد عام 2030، نظراً للظروف التاريخية التي أحاطت بنشأتها. وفي المقابل، تظل المؤسسة العسكرية بفضل انضباطها ورصيدها التاريخي هي الأكثر قدرة على تقديم قيادات وطنية وتحظى بثقة واسعة لدى العقل الجمعي المصري.
وهذا الواقع يستوجب اتخاذ خطوات جادة لتطوير الحياة السياسية بصفة عامة، من خلال فتح المجال أمام تشكيل أحزاب حقيقية تنبع من قواعد المجتمع وتعبر بصدق عن صوت الشعب، إلى جانب تعزيز مسار الحريات وبناء إعلام عصري ومستنير يُواكب تطلعات الدولة. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مصر لا يكمن في شخص من يتولى السلطة، بل في تطوير الفلسفة الإدارية والمنظومة المحيطة بصنع القرار، والانتقال بها من نطاق الدوائر الضيقة إلى آفاق المؤسسية والكفاءة الوطنية الشاملة.









