مقالات الرأى

إميل أمين يكتب: النظام الدولي الناشئ ..تقديرات جيوإستراتيجية

عن منصة جيوبولتيكال فيوتشر، الخاصة بالتحليل والتنبؤات الجيوسياسية، صدر الشهر الماضي تقريرا مثيرا يستحق التوقف أمامه، حول حال النظام العالمي الذي يتخلق في رحم الأحداث، وينشأ بين تضاعف الأفكار والأحداث المتلاطمة.
منصة جيوبولتيكال فيوتشر الواقعة في مدينة أوستن بولاية تكساس الأميركية، هي ملكية خاصة للبروفيسور جورج فريدمان، تأسست عام 2015، بعد أن ترك المنصة المهمة “ستراتفور”، أحد مصادر المعلومات الإستخبارية مفتوحة المصدر.
العارفون بما تقدمه هذه المنصة يدركون كيف أن أهميتها تنبع لا من رؤيتها للأخبار العالمية في شكلها الأولي، بل تسخير تلك الأخبار ومن ثم بناء رؤية إستشرافية لتطورات الأحداث.
ولعله بنوع خاص تنبع أهمية قراءات جيوبولتيكال فيوتشر، من القول بأنها لا تنظر إلى تشكلات الخارطة العالمية من خلال إرادات القادة السياسيين أو إيديولوجياتهم، بل عبر مجموعة من الأدوات التي قامت عليها إمبراطوريات وسقطت بسببها ممالك .
أما تلك العوامل، فيمكن بشكل مختصر النظر إليها من خلال منظار الجغرافيا، ثم الديموغرافيا، أي الموقع والموضع، ويليه الحضور السكاني، وكلهما عاملان مرتبطان ببعضهما إرتباطا عضويا ولا يمكن التفريق بينهما.
من الآليات الأخرى، القوة الإقتصادية، والموارد والثروات الطبيعية، وهاتان تزخمان الحضور العسكري، وموازين القوى .
يجمع القائمون على جيوبولتيكال فيوتشر هذه العوامل معا، ولا يوفرون بالطبع تتبع مسارات التوجهات السياسية الحاكمة من دولة لأخرى، ما يعطي التقديرات مسحة من الواقع لا من ضرب الودع أو أعين زرقاء اليمامة، وهذا يفيد في التنبؤ بسلوك الدول وبالإتجاه الذي سيتخذه النظام الدولي.
على أنه وقبل الخوض في غمار تقديرات فريدمان للنظام الدولي الآخذ في التشكل، يتوجب التفريق بين مفهومين رئيسيين في عالم دراسات المستقبل، الرؤية الجيوسياسية، والإستشرافات الإستخبارية.
المنطلق الأول، يعنى بتحديد معالم وملامح التوجهات الإنسانية الكبرى، وما ينشأ عنها من متغيرات على صعيد الكرة الأرضية.
فيما الثاني، شغله الشاغل هو رصد الإشارات الصغيرة التي قد تكشف هذه التحركات، وربما وضع خطط لملاقاتها .
أما الحاصل عبر كلاهما فهو محاولة تقديم نموذج لتفسير حركة النظام الدولي، عبر البعدين الرئيسيين في حياة البشر: الزمان والمكان.
التقدير الذي بين ايدينا يوضح لنا كيف أن التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، كان ولايزال نقطة محورية في تشكل عالم ما بعد النظام العالمي الجديد، والذي تلى نهاية الحرب الباردة.
لكنه لا يقدم رؤية مؤكدة لنهاية الأزمة، وهل يمكن لها أن تتسع نحو دول البلطيق، ومن ثم مواجهة أوسع مع أوروبا أم لا، ومشيرا إلى المأزق الروسي المتمثل في عدم المقدرة على هزيمة أوكرانيا عسكريا، وغياب أفق الحل السياسي حتى الساعة.
الحديث عن روسيا، تستبعه ولاشك نظرة معمقة على أوضاع أوروبا، الجبهة المرشحة لإتساع رقعة الصراع.
هنا نرى ما يشبه الرؤية المتفاءلة حيث القارة العجوز، حليفة واشنطن، باتت أقوى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية، وعند صناع التقرير، فإنه لم يعد هناك مبرر أميركي لتحمل العبء الرئيسي للدفاع عن الأوروبيين.
أكثر من ذلك، يشير تقدير جيوبولتيكال إلى أن أوروبا أصبحت تمتلك القدرة الإقتصادية اللازمة لبناء ونشر قوة عسكرية قادرة على التعامل مع التهديد الروسي بنفسها، خصوصا بعد أن كشفت حرب أوكرانيا عن محدودية الأداء العسكري الروسي.
يتوقف التقرير عند الأوضاع الإقتصادية للقارة الأوروبية، والمثير هنا هو أنه لا يقارن بين إقتصاد أوروبا وروسيا، ذلك أنه من الواضح للعيان أن الروس يعانون ماليا. لكنه يقدم مقارنة بين الإقتصاد الأوروبي والصيني، في إشارة لا تخلو من المخاوف المستقبلية على القارة الأوروبية من مشروعات الزحف الصيني، بصيغة اليمين الأميركي.
هنا يوضح أن الناتج المحلي الإجمالي للإتحاد الأوروبي، أكبر قليلا من إقتصاد الصين، وبالتالي فإن المشكلة الأوروبية، وفق منطق فريدمان ليست غياب الموارد، وإنما القدرة على تحويلها إلى قوة إستراتيجية وعسكرية .
ولأن الصين هي ركيزة التنافس الأول مع الولايات المتحدة، يفرد مساحة واسعة للعلاقات بين واشنطن وبكين .
يحدد فريدمان نقطة الضعف الأساسية للصين في أن قدراتها الإنتاجية أكبر بكثير من قدرة السوق الداخلية على الإستهلاك ما يجعل بكين تعتمد على الصادرات لتحقيق الإستقرار والنمو، بينما تمثل الولايات المتحدة أهم اسواقها .
قبل شهر تقريبا من زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لواشنطن، يخلص التقرير إلى نتيجة مؤداها :” واشنطن وبكين تتجهان نحو التفاهم”، حتى ولو كانت هناك منظومة أميركية غربية لتطويق الصين في منطقة الإندوباسيفيك.
وفي كل الأحوال يعتبر فريدمان أن مستقبل أوروبا هو السؤال الأهم في النظام الجيوسياسي الجديد، وللحديث بقية .

زر الذهاب إلى الأعلى