صفوت عباس يكتب: ( التمكين مشروع قتل الفقر.. )

في ١٧ ديسمبر ٢٠٢٥ نقلت «المصري اليوم» قول الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، إن معدلات الفقر في مصر، حسب آخر الأرقام المتاحة، تتراوح بين ٢٩ و٣٠٪، مع احتمالات تأثرها بالتغيرات الاقتصادية التي شهدتها الفترة الماضية.
مجموعة التعريفات وطرق قياس معدلات الفقر تختلف حسب الجهة التي تجريها (دولية أو محلية)، وتختلف أيضاً حسب معايير قياسها. في عام ٢٠٢٥ اعتمد البنك الدولي تحديثاً جديداً، وذكر أن خط الفقر في الدول متوسطة الدخل – الشريحة الدنيا (ومنها مصر) هو ٤.٢٠ دولار للفرد يومياً. وهذه الأرقام لا تُحسب بسعر الصرف المباشر، بل بما يعكس قدرة المبلغ على شراء السلع الأساسية داخل الدولة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأسعار قد تكون واحدة عالمياً، إلا أن الدعم يخفضها أو الرسوم الجمركية أو الاحتكارات وتغوّل السوق ترفعها.
من يضعون المقاييس يذكرون أن معدل الفقر المدقع يُحدد بما يحتاجه الفرد من طعام يضمن له الحياة فقط، بينما يكون الفقر القومي هو مجموع ما ينفقه الفرد على جميع احتياجاته من طعام وسكن وصحة وتعليم. وإذا كان الحديث عن الفقر، فإن الادخار يُعد ترفاً لا يتجاوز الجمعيات التي ينظمها الأفراد لينفقوا على أغراض استهلاكية.
وبحساب بسيط لأرقام البنك الدولي، نجد أن أسرة متوسطة مكونة من خمسة أفراد تحتاج إلى حوالي ٢٠ دولاراً يومياً، أي ما يعادل قرابة ١٠٠٠ جنيه يومياً و٣٠ ألف جنيه شهرياً! الرقم فلكي بالنسبة للمجتمع المصري، وربما هذا ما جعل أكثر من ٣٠ مليون مصري تحت خط الفقر حسب تصريح السيد رئيس الوزراء، وهم مرشحون للزيادة إذا استمر معدل التضخم في الارتفاع لأي اعتبارات تدفعه إلى الأمام.
ومع ملاحظة أن بنود إنفاق مثل الصحة والتعليم تتغول بشدة على حساب بند الطعام، نجد أن الطعام الذي يضمن حياة الأفراد أصبح على المحك.
الدولة إذاً تتبنى الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة من خلال الدعم المادي للتموين والطاقة، والدعم النقدي لبرامج الضمان الاجتماعي مثل «تكافل وكرامة». وفي هذين البندين تنفق أرقاماً فلكية؛ حيث بلغ مبلغ الدعم التمويني للسلع والخبز في العام المالي ٢٠٢٥/٢٠٢٦ حوالي ١٦٠ مليار جنيه مقدَّمة لـ ٦٢ مليون مواطن، وتنفق الدولة مبلغ ٥٧ مليار جنيه على برنامج «تكافل وكرامة» يستفيد منه حوالي ١٧ مليون مواطن. وقد يكون بعض الدعم التمويني موجَّهاً لغير المستحقين، وهو الأمر الذي تحاول الدولة ضبطه وربما لا تستطيع!.
هذه الأرقام ستظل تُدفع وستزيد طالما أن هناك فئات تحتاج، الأمر الذي يستوجب التفكير بجدية في حلول غير نمطية لبدائل تتيح إخراج الفقراء من دائرة استحقاق الدعم والحماية إلى دائرة الإنتاج والاكتفاء بأنفسهم، ليصبحوا ممولين لقيمة مضافة من ريع إنتاجهم.
السياسات المصرية السابقة، التي تمثلت في تمكين المهمشين عبر التوظيف، علاوة على الإصلاح الزراعي ومشروعات استصلاح الأراضي الصحراوية التي وُزعت على فئات استطاعت تجاوز مرحلة الحاجة إلى الاكتفاء، كل هذا توقف ربما منذ عام ١٩٩٥، فزادت معدلات الفقر. وعليه فإن العودة إلى إعادة إنتاج متطور للحلول القديمة، مثل الأراضي الزراعية التي تُوزع على من يحتاجون، قد تكون حلاً سحرياً لانتشال ملايين من هوة الفقر والتعطُّل، ويُضاف إليها حلول لتعليم جيد بمنتج أجود يحقق تمكيناً وفرص عمل لصاحبه، كما ان تقنين التنقيب العشوائي عن الذهب الذي تم وقفه مؤخرا قد يعفي اكثر من مليون مواطن يعولون نظريا ٥ مليون مواطن من ضائقه الفقر والتعطل والعوز.
إن حل تمكين الفقراء بأي فرصة عمل يظل سحرياً، يعفي الدولة من نفقات وتكلفة الدعم والحماية، لتوجهها إلى استثمار حكومي ذي عائد يتاح للجميع خيره، أو إلى الإنفاق على الخدمات والصحة والتعليم بما يوفر بنود صرفها على المواطنين، مما يوجه دخولهم نحو الطعام والسكن، وربما التوفير والاستثمار ولو بشكل بسيط… التنفيذ سيكون مكلفا وصعبا لكنه يمكن ان يكون مرحليا ويمكن ان يكون بتمويل ائتماني مسترد.
هذا لا يُعتبر اشتراكية أو دعماً لليسار الاقتصادي، بل إغراقاً في خلق رأسمالية، وتجرداً من الدعم الذي يعبر بقوة عن الاشتراكية.








