عبد المعطى أحمد يكتب: كشكول الجمسى!

ربما تسمع اسمه لأول مرة , إنه صاحب اختيار وتحديد موعد اندلاع حرب السادس من أكتوبر ١٩٧٣ اللواء أركان حرب صلاح فهمي نحلة رئيس فرع التخطيط الاستراتيجي بهيئة عمليات القوات المسلحة والذى قام بتحديد يوم وساعة العبور, وأبهر الجميع بدقة المعايير التي استند عليها فى اختياره, ورغم ذلك – للأسف الشديد- لاتعرف الغالبية العظمى من المصريين عنه شيئا كما هو المعتاد.
عملية اختيار يوم وساعة العبور كانت أشبه بالمعجزة, لدقة اختيارها, وموعد بدئها, وساعة اندلاعها, ولم يكن اختيار وتحديد موعد حرب أكتوبر من جانب الرئيس أنورالسادات أو وزير الحربية أو حتى رئيس الأركان أو رئيس هيئة العمليات, ولكن كان ذلك الاختيار الإعجازى من جانب رئيس فرع التخطيط الاستراتيجي بهيئة عمليات القوات المسلحة, ألا وهو اللواء صلاح فهمي نحلة والذي كان برتبة عقيد آنذاك.
بتكليف من اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة أنذاك, قام العقيد صلاح فهمي نحلة بتحديد يوم وساعة العبور, وهو أمر ليس باليسير, بل في غاية الصعوبة والتعقيد بعد أن عكف على دراسة الأعياد والعطلات في اسرائيل, بجانب دراسة الجوانب العسكرية والفلكية والجوية والبحرية والجغرافية, لمعرفة مواعيد الشروق والغروب, وساعات الليل والنهار, وحركة الرياح والمياه, واتجاه التيار في قناة السويس, كما قام بالاطلاع على الدراسات والتقارير والمعلومات التي توضح الموقف العسكري الإسرائيلي على الجبهة, لمعرفة خطط الدفاعات الإسرائيلية, وتوقيتات تدخل الإحتياطى, وإستدعاء الجيش الإسرائيلى, ليقع اختياره في النهاية على يوم السادس من أكتوبر الساعة الثانية ظهرًا, بناءً على أسس عِدة نذكر منها على سبيل المثال:أن يوم السادس من أكتوبر كان موافقًا ليوم العاشر من شهر رمضان ,فبالتالي استحالة تصور إسرائيل أن الجنود المصريين سوف يقومون بأى هجوم عسكرى وهم صائمون!
كما أن يوم السادس من أكتوبر هو الموافق ليوم عيد الغفران عند اليهود, وهو أجازة رسمية في إسرائيل, وستكون إسرائيل فى حالة سكون وتوقف, وأى رد فعل من جانبها سيكون بطيئا, وبعد فترة طويلة من الوقت.!
اختيارالساعة الثانية ظهرًا توقيت لايتخيل أحد أن القوات المصرية سوف تقوم فيه باتخاذ أى هجوم عسكرى وفى نهار رمضان!
الساعة الثانية ظهرًا ستكون الشمس خلف رؤوس الجنود المصريين وليس أمامهم, كما أن أول رد فعل من جانب إسرائيل سيكون بعد ست ساعات, وبالتالى سيكون الليل قد أقبل, وبالتالى فإن إسرائيل ستعجز عن أى رد فعل في الظلام!
وقام العقيد صلاح فهمى نحلة بكتابة الأُسُس والمعايير التي اختار توقيت العبور بناءً عليها فى كراسة ابنته حنان, وقام بتقديمها إلى اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة لتقوم هيئة العمليات بجمعها, وتدقيقها, وصياغتها في تقرير استراتيجي متكامل سُمي “كشكول الجمسى” ليقوم اللواء الجمسى بتقديمه إلى الفريق الشاذلي رئيس الأركان والذى قدمه إلى الفريق أول أحمد إسماعيل على وزير الحربية, والذى قدمه أخيرًا إلى الرئيس السادات, لعرض الأمر عليه, ولمعرفة رأيه في اختيار موعد وتوقيت الحرب.
وبالرغم من أن الساعة الثانية ظهرًا كانت الخيار الفنى المبتكر في دراسة العقيد صلاح نحلة, إلا أن القيادة العامة المصرية فضّلت تعديل الموعد إلى الساعة السادسة مساءً, وعند حسم الموعد النهائي مع القيادة السورية رفض الجانب السورى توقيت السادسة مساءً, لأن طبيعة جبهة الجولان الجبلية الوعرة تتطلب القتال نهارًا, وتمسكوا ببدء الحرب في أول ضوء النهار, وهنا احتدم الخلاف العسكرى بين الحليفين, فتدخل الرئيس السورى حافظ الأسد, مقترحًا فكرة إستراتيجية وهى قسمة اليوم إلى نصفين كحل وسط يرضى الجبهتين, وأمام هذا المقترح لم يجد الوفدان خيارًا أفضل وأدق من العودة فورًا إلى المقترح والعبقرية العلمية الأصلية التي خطها العقيد صلاح نحلة فى دراسته الأولى وهى الساعة الثانية ظهرًا.
جدير بالذِكر أيضًا أن العقيد صلاح فهمى هو صاحب فكرة غلق مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية, والتى كانت واحدة من أعظم مفاجآت الحرب التى وقعت على العدو كالصاعقة وأربكت جميع حساباته.
وقد توفي اللواء أركان حرب صلاح فهمي نحلة في العام ٢٠١٧ , وشيع جثمانه, وأقيم عزاؤه في صمت وهدوء بعيدًا عن الصخب والأضواء.
نسأل الله له الرحمة والمغفرة , ولكل أبطال وشهداء حرب أكتوبر المجيدة.
2315 يوما هى الفاصل بين 5 يونيو 1967 و6 أكتوبر 1973, وهى تمثل أقسى الفترات التى مرت بها مصر فى تاريخها المعاصر, فالهزيمة الموجعة التى تلقتها مصر فى 1967 والتى نتج عنها احتلال جزء عزيز من أراضيها أدخلت مصر نفقا حالك السواد لم يكن أحد يعرف كيف الخروج منه ,إلا أنها كانت تعرف وتؤمن إيمانا لامراء فيه أنه لايمكن ولايليق بها إلا الخروج منه أيا كانت الوسيلة والتضحيات , فمصر لم تعرف الانكسار يوما, أو كما يقال فمصر قد تمرض ولكن أبدا لاتموت , ولعل ذلك هو الدرس الذى لم تتعلمه إسرائيل, ويبدو أن البعض لايزال حتى اليوم يغمض عينيه وعقله عن ذلك الدرس, لم تنتظر مصر 2315 يوما لتنتفض دفاعا عن كرامتها وهويتها , بل بدأت الانتفاضة منذ الأيام الأولى للهزيمة, كانت مصر تقول عمليا 2315يوما “لا”, وتستعد لتفرضها فى يوم العبور العظيم فى 6أكتوبر 1973 , ولم يكن يوم العبور معجزة بالمعنى العسكرى حققتها القوات المسلحة المصرية , ولكن الوصول ليوم العبور خلال 2315 يوما كان ملحمة مكتملة الأركان سطرها الشعب المصرى بقوة وشموخ.
فى أثناء حرب أكتوبر لم تحدث أزمات تموينية , ولم يعكر المشهد سلوك سلبى ,وقائمة القادة فى الحرب طويلة, وهى قائمة شرف, وكل قادة الأسلحة والضباط والجنود الذين شاركوا فى الانتصار هم الرجال الأوفياء الذين منحوا مصر المجد والعطاء.
كان المصريون يتوقون إلى اليوم الذى تتحرر فيه سيناء , وكان طلاب الجامعات الأكثر تعبيرا عن هذا الشوق, وعندما مر عام 1971 الذى حدده الرئيس الراحل أنور السادات عاما للحسم العسكرى نفد صبرهم, فتحركوا مطالبين بالاسراع بشن الحرب, وتضامن معهم عدد كبير من أبرز المثقفين المصريين فى بيان صار مشهورا فى تاريخ الاعداد لحرب أكتوبر 1973, ولم يؤثر الصدام الذى حدث بين الطلاب والسلطة السياسية على الاعداد للحرب, فقد بقى الهدف واحدا لمختلف فئات المجتمع التى التفت حول جيشها الذى واصل هذا الاعداد, ولم تزده تحركات الطلاب إلا مزيدا من الاصرار على تحقيق الهدف, رغم تأخر بعض المعدات العسكرية من الاتحاد السوفيتى الذى كان هو المصدر الوحيد لتسليحه, وحقق الجيش المستند على الشعب الحلم الذى كان منتظرا, وأثمرت سنوات الاعداد الست نجاحا مبهرا منذ الساعات الأولى للحرب.
حرب أكتوبر صححت موازين القوى , وغيرت مسار الصراع العربى الاسرائيلى , وفتحت فرص السلام واسعة أمام شعوب المنطقة كى تبدأ مرحلة جديدة على أسس صحيحة قوامها الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات وقبول مبدأ الأرض مقابل السلام, والمباراة مازالت مستمرة تقودها العقلانية المصرية بروح نصر أكتوبر.
التحية للقائد الرئيس أنور السادات الذى لم يتردد لحظة واحدة فى اتخاذ قرار الحرب على الرغم من كل التحديات والمخاطر,ولقد كان لديه إيمان كبير بقدرة المقاتل المصرى, وكانت ثقته عالية بالشعب المصرى الذى شكل فى زمن الحرب جبهة واحدة متحدة.










