راندا الهادي تكتب: حكاية أبي

من كأبي؟! سؤال لم يكن الغرض منه أبدًا الاستفسار ، إنما الإقرار بأن أي فتاة تربّت في كنف والد يراعي الله فيها ويرضيه ، ويراها ملكة بين العالمين ، ويوفر المدد المعنوي قبل المادي لها ؛ لتملك شخصية سوية لا تعاني من نقص،هو حقًا رجلها وبطلها الأوحد ، الذي – مهما طال العمر والتقت من ذكور- لن تجد له مثيلًا ولا نداً.
وأنا فتاة نشأت في كنف مثل هؤلاء الآباء ، الذين يتركون -أحياءً أو أمواتًا كانوا- بصمة لا تُمحى في شخصية بناتهم .لقد تعلمت من والدي الاعتزاز بالنفس والجهر بالحق وعدم الرضا بالذل ، وأن التواضع سمة الأقوياء والكرم يعود دوما على صاحبه ، فالغِنى ليس بالمال وإنما مخبوء في نفس عزيزة ترضى بقضاء الله وقدره ، وتوقن أن الدنيا ما هي إلا شجرة في طريق سفر ، نستظل بها غير مقيمين لنكمل سفرنا ، وأن الفتاة أقوى من أعتى الرجال بعلمها وعملها ، وهي في منزلة أعلى عند ربها وكيف لا؟! وهي من يربي الأجيال التي تقام على أكتافها الأمم .
أبي بحكم مهنته كمهندس زراعي كان محبًا للحياة في كل شيء ، في أُصُص الزرع التي كانت تملأ بيتنا ، ورعايته الدقيقة الرقيقة لتلك النباتات وحديثه الشيق عن شجيراتها .
أبي كان مغرمًا بالخط العربي والألوان ، فهو ذو خط ملفت من جمال رسمه ، وكان مؤمنًا بأهمية خط اليد ، لذا كان يعيد دومًا على أسماعنا ونحن صغار ضرورة إتقان الكتابة بخط جميل ، لأن الخط يبقى بعد صاحبه إذا ما دفن تحت التراب ولكن في بيت شعري مازلت احفظه عن ظهر قلب :
الخط يبقى زمانًا بعد كاتبه
وصاحب الخط تحت الأرض مدفون
أبي من مواليد شهر أكتوبر و القدر الجميل جعلني أشاركه من بين إخوتي الثلاثة هذا الشهر ، لنحتفل كل عام بعيد مولدنا سويًا ، وأكتوبر بالنسبة لوالدي لم يكن شهرًا عاديًا ، بل كان جوهرة التاج بين شهور السنة ، وكيف لا؟! وفي هذا الشهر كان وسط أرض المعركة بين رفاقه ليشهدوا كيف تعلو الأمم بسواعد وعزيمة أبنائها وإيمانهم الصادق بنبل مقاصدهم ، حيث الموت متربص عند أطراف أقدامهم ، والأحباء يرتقون بين غمضة عين إلى خالقهم فداء لتراب هذا الوطن ، أبي نحتته هذه الأيام خاصة مع استشهاد أخيه الأصغر في نفس الشهر ولكن في بقعة أخرى من أرض سيناء الطاهرة .
أبي كان أكبر نعم الله سبحانه وتعالى في حياتي ، كان السند والأمان ، كان يراني أفضل فتاة في العالم ، حتى في الضيق والأزمات كان يهديني الأمل ويطبطب على قلبي بأنها ستمر ، كان رقيق القلب حلو الحديث لا يمل جلساؤه ، فارق والداه الحياة وهو في العشرينيات من عمره وتحمّل مسئولية رعاية أخواته البنات الأصغر منه حتى بعد زواجهن كان بيتنا بمثابة بيت العائلة لهم رغم كونه الثاني بين أخواته .
هذه رسالة حب لوالدي الذي مازال وسيظل الرجل الأوحد في حياتي ، دامت ذكراه العطرة حتى نلتقي عند رب العالمين .










