د. باسم المذحجي يكتب: ما وراء استعادة مؤسسات الدولة.. للحرب حكاية أخرى في اليمن

الحرب لم تغير خريطة السيطرة في اليمن فقط، بل غيرت تخصصات طلابه، واقتصاده، ومفهومه للسلاح نفسه. استعادة الدولة ليست عودة إلى 2014، بل بناء دولة أخرى باستراتيجية أخرى لهذا الزمان.
أولاً: الجامعة التي فرضتها الحرب.
قبل أن نتحدث عن وزارات الدفاع والداخلية، يجب أن نتحدث عن الجامعة. الحرب فرضت على الشباب اليمني تحولاً جذريًا في اختيار التخصص، تراجع فيه الإقبال على العلوم الإنسانية والنظرية لصالح أربعة مسارات للبقاء:
1. العمل العابر للحدود: انفجار في الإقبال على علوم الحاسوب والبرمجة والأمن السيبراني والتسويق الرقمي وتصميم الجرافيك. الشاب لم يعد يبحث عن وظيفة حكومية، بل عن حساب عمل حر يتقاضى عليه بالعملة الأجنبية، هروبًا من انهيار العملة.
2. طب الميدان: التمريض والإسعافات الأولية والصيدلة والمختبرات والدعم النفسي والاجتماعي. هي تخصصات تحولت من خدمة إلى مشروع صغير قابل للتنفيذ فورًا (صيدلية، معمل تحاليل، عيادة دعم نفسي) لعلاج صدمات الحرب.
3. اقتصاد المنظمات: إدارة المنظمات غير الربحية وإدارة الأعمال والمحاسبة. في سنوات الحرب، أصبحت المنظمات الدولية والوكالات المانحة هي “الدولة المُوظِفة” الأكبر والأعلى دخلاً.
4. الدبلوم التقني السريع: اختصار أربع سنوات جامعية إلى ثلاثة أشهر تدريب مهني: صيانة الهواتف الذكية، تركيب منظومات الطاقة الشمسية، صيانة السيارات. نزول مباشر إلى السوق.
هذه الخريطة التعليمية هي التي ستبني اقتصاد ما بعد الحرب، وليس العكس.
ثانيًا: الهندسة التي فرضتها الحرب.
في المقابل، فرضت الحرب هندسة عسكرية جديدة. لم تعد التخصصات التقليدية – إزالة الألغام وتفكيك العبوات، وقوات العمليات الخاصة والصاعقة، والقناصة، ومراقبو المدفعية – تعمل بشكل منفرد.
تحولت المعركة إلى منظومة ذكية متكاملة من أربعة محاور:
1. أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي الرقمي: من التوجيه التقليدي إلى هندسة التوجيه والتحكم الذكي بالليزر والرادار، وبرمجة شبكات التصدي التي تتنبأ بمسار المقذوف وتعترضه في ثوانٍ.
2. الآليات ذاتية القيادة: المسيرات الجوية الذكية (UAVs) للاستطلاع والتشويش والهجوم الدقيق، والمركبات البرية والبحرية غير المأهولة (UGVs/UUVs) لتمشيط حقول الألغام وتنفيذ المهام في البيئات الخطرة.
3. رسم مسرح العمليات (C4ISR & Military GIS): بناء خرائط طبوغرافية تفاعلية تدمج تضاريس الأرض مع مواقع القوات لحظة بلحظة عبر الأقمار الصناعية، وإنشاء غرف عمليات افتراضية بالتوائم الرقمية لمحاكاة السيناريوهات والطقس والإمداد.
4. الحرب الإلكترونية والأمن السيبراني العسكري: التشويش على اتصالات ورادارات العدو وحماية الشبكات السيادية للدولة من الاختراق.
من يمتلك هذه التخصصات هو من سيؤمن الدولة المستعادة، لا من يمتلك السلاح فقط.
ثالثًا: ما بعد الاستعادة.. استراتيجية الاستقرار.
وهنا نصل إلى مربط الفرس: ماذا بعد استعادة مؤسسات الدولة وهزيمة مشروع الحوثي إيراني؟ المستقبل لن يكون مجرد احتفال، بل مرحلة معقدة لبناء السلام عبر أربعة مسارات لا يمكن فصلها:
1. التعافي السيادي: لا إعمار بدون توحيد البنك المركزي والعملة الوطنية واستئناف تصدير النفط والغاز من مأرب وشبوة وحضرموت. هذا هو المورد الوحيد القادر على تحويل الدعم الخليجي والدولي من مسكنات إلى تنمية وخلق فرص عمل حقيقية للشباب الذي وصفناه أعلاه.
2. احتكار السلاح وتطهير الأرض: المهمة الأبرز هي دمج كافة التشكيلات المسلحة تحت مظلتي الدفاع والداخلية، ومواجهة الخلايا النائمة، وإطلاق مشروع وطني لتطهير ملايين الألغام والعبوات التي ستحتاج لسنوات من العمل.
3. العقد الاجتماعي الجديد: لا يمكن تحقيق استقرار بدون عدالة انتقالية ومصالحة وطنية شاملة تعالج جروح الحرب، والعودة إلى مخرجات الحوار الوطني وصياغة دستور جديد يضمن نظامًاعادلًا ويحل القضية الجنوبية بما يرتضيه أبناء الجنوب، وصولًا إلى انتخابات حرة.
4. استعادة الدور الإقليمي: اليمن المستقر هو من سيؤمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ويتحول من مصدر قلق أمني لجيرانه إلى شريك فعال في منظومة الأمن والتكامل الاقتصادي الإقليمي. هذا هو ما يهم العالم اليوم أكثر من أي ملف داخلي.
الخلاصة أن الحرب أعطتنا درسًا قاسيًا: الدولة لا تُستعاد بالمباني فقط، بل بالتخصصات التي يدرسها شبابها، وبالتكنولوجيا التي تحمي حدودها، وبالاقتصاد الذي يطعم ناسها.
باحث استراتيجي يمني.









