مقالات الرأى

‏صفوت عباس يكتب: ‏ ‏(ربي رب نفسي… الكون من الكتل إلى المفردات)

‏ما زلت أتذكر ما ورد في مقال نُشر عام ٢٠١٠ للدكتور محمد كمال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وأمين لجنة السياسات بالحزب الوطني، الذي كان متصدرًا للمشهد في مصر آنذاك. أورد فيه أن الانفكاك الجزئي للدولة عن محيطها الإقليمي ومشاكله، وإغراقها في وطنيتها، يشكل أساسًا داعمًا للانطلاق. ودلل على ذلك بالهند والبرازيل اللتين حققتا تقدمًا تقنيًا واقتصاديًا بفضل الانكفاء على وطنية أرض دولتيهما، وتكريس جهودهما لنهضة ذاتية تعتمد على توظيف الموارد المحلية بالأساس، فبلغتا ما بلغتاه من كفاءة اقتصادية وضعتهما في مصاف الدول الكبرى.
‏
‏يبدو ان العالم يذهب من دفء وحميميه وربما تكلفه التجمعات الي براجماتيه وانانيه الافراد
‏وكأن المقال كان يستشرف، برؤية عالم متخصص في مجاله، ما يحدث الآن في العالم من حالة تشرذم وانكفاء كل دولة على نفسها — وإن أظهرت التصرفات الدبلوماسية نفاقا خلاف ذلك.
‏
‏الأمر لا يحتاج إلى خبير في العلاقات الدولية؛ فالمتابع العادي للأخبار اليوميه سيرى أن الموقف الدولي الحالي يقول إن الأحلاف قد انفرط عقدها، وإن المنظمات الإقليمية كالجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، وحتى المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، أصبحت لا تقدم لأعضائها سوى الشكل الاحتفالي للاجتماعات الدورية وحتى الطارئة، وقرارات بلا أي صدى تنفيذي يُحترم. ومثلها التجمعات الاقتصادية: الاتحاد الأوروبي والآسيان، ومؤخرًا بريكس، كلها فرقعات بلا صدى.
‏
‏تفكك حلف وارسو عام ١٩٩١ مع تفكك الكتلة الشرقية بانهيار الاتحاد السوفيتي. وإن بقي حلف الناتو فإنه يعد أيامه لينتهي نظرًا لتصرفات ترامب تجاهه. ولم تقدم الجامعة العربية سوى عبارة «نشعر بالقلق» من أي أمين عام لها تجاه أي فعل يعتري دولة عضوًا بها.
‏آخر الأحلاف العسكرية الفاعلة انتهت مع الحرب العالمية الثانية، واتفاقيات الدفاع المشترك وقواعد الحماية شاهد على فشلها في الحرب الدائرة الآن بين إيران وأمريكا.
‏أصدقاء روسيا ربما دعموها في حربها ضد أوكرانيا، لكنه دعم بمعدات ربما مدفوعة الثمن. وأوروبا وأمريكا تظهران نيتهما في استنزاف روسيا بعدم تقديم دعم وافٍ يعزز مركز أوكرانيا ضدها. قديمًا كان الحلفاء ينخرطون بالمال والرجال في دعم حلفائهم، وشاهد ذلك الحربان العالميتان الأولى والثانية.
‏
‏كل دولة أصبحت مشغولة بهمها، وتنجز أمورها بين نجاح وفشل حسب قدراتها. والدعم الاقتصادي لا يتم إلا بشكل استثمارات أو ودائع بفوائد؛ فقد ولّى زمن الشيكات المجانية.
‏كانت التحالفات الإقليمية أو القومية تضمن قدرًا من التوازن يحمي مكوناتها من تغول الآخرين عليها، وكانت التحالفات والاتفاقيات الاقتصادية تضمن تدفقات تجارية تساهم في ازدهار ويسر معيشة شعوب الدول الأعضاء. وعليه فإن ما فرضه ترامب من رسوم جمركية على الواردات عطّل بقدر ما سريان السلع والخدمات بسلاسة مع العالم، ويتبعه نقص في الإنتاج وزيادة في معدلات النمو تلقي بآثار شديدة على الدول والشعوب. ويكرس ذلك تهاوي دور المنظمات الدولية لغياب أي معايير لضبط سلوك الدول ولو نظريًا.
‏
‏العلاقات بين العائلات والقبائل ومكوناتها من أفراد أصبحت في وضع متفكك مثل علاقات الدول، وولّى زمن الروابط العائلية الحميمة والعتيدة ليصبح كل فرد في وضع «ربي رب نفسي».
‏
‏استفاقت الدول ومثلها الأفراد لوضع جديد يصدق عليه المثل: «ما حكّ جلدك مثل ظفرك»، لينعم الأثرياء وينهش الفقراء لحومهم على مستوى الدول والأفراد، وتتحمل الشعوب ثمن تفتت الكتل.

زر الذهاب إلى الأعلى