مقالات الرأى

محمد محمود عيسى يكتب : سكن مسيحي .. سكن مسلم … مصر سكن لكل المصريين

“عايزه سكن مسيحي لابني يكون قريب من الجامعة ”

 ” برده وأنا بدور على سكن مسيحي قريب من الجامعة ”

” عايزة سكن طالبات مسيحي في أسيوط أو أسيوط الجديدة ”

ما قرأناه يمثل نموذجا لبعض طلبات السكن من أولياء الأمور والطلبة والطالبات معا وزد على ذلك أن حوارا دار بيني وبين إحدى الطالبات التي سألتني سؤالا مباشرا : يا عمو لو عندك سكن تقبل تسكن عندك طلبة مسيحيين وأجبتها بكل صراحة ووضوع والابتسامة تعلو وجهي نعم وبكل تأكيد كلكم أولادي وكلنا مصريين وكلنا أبناء هذه الأرض الطيبة نعيش على أرضها ونستظل بسمائها ونأكل من خيراتها ولا يوجد أي فرق بين مصري وآخر كلنا واحد

يعني عادي ياعمو ممكن تسكن عندك طلبة مسيحيين

أولا متقوليش تاني طلبة مسيحيين وطلبة مسلمين قولي طلبة مصريين ثانيا مفيش فرق بين المصريين إطلاقا بقولك كلنا واحد بلدنا واحدة وتاريخنا واحد ومصيرنا واحد واللي بيفرح بنفرح بيه كلنا واللي بيحزن بنحزن عليه كلنا يا بنتي احنا واااااحد مش اتنين وسألتها وأنا ابتسم انت بتشوفي سيادة الرئيس في العيد لما بيروح الكاتدرائية مع قداسة البابا تواضروس وبيقول كلمة في العيد بتشوفيه وتسمعيه

أيوه بشوفه وبسمعه

فاكره الرئيس بيقول إيه في آخر الكلمة بيقول طول ما احنا كده متماسكين وواحد متقلقوش على البلد دي وبيقول ربنا يحفظ مصر بينا كلنا

أيوه صح بسمعه

ايه رأيك

ببقى مبسوطة يا عمو والله   

هذه الإعلانات وهذه الطلبات من نوعية السكن المسيحي وهذا الحوار مع ابنتي الطالبة المصرية الجميلة يعكس في رأيي حالة من البعد والعزلة والإصرار على التموضع في مكان وبيئة خاصة ومعينة أساسها ديني بحت بدليل الطلب بكل صراحة ووضوح في الإعلانات ” سكن مسيحي ” وهو ما يدعونا إلى التساؤل بكل صراحة ووضوح هل نتقدم إلى الأمام في قضية المواطنة والتعايش وقبول الآخر أم أننا نسير إلى الخلف أو على الأقل نتوقف في مكاننا

دعوني أتحدث بكل صراحة ووضوح ما يحدث من ناحية نوعية الطلبات في مثل هذه السكنات وتخصيصها بالسكن المسيحي يعكس حالة من الوقوف في مكاننا ويعكس حالة من التشبس بخصوصية وحماية الدين خوفا من التعايش مع الآخر ويترجم صورة لطالما نادينا بها جميعا وهي ضرورة الإنطلاق والانفتاح على الجميع وعلى المجتمع ودعوني أقولها بكل صراحة ووضوح ومع كامل الاحترام والتقدير للجميع رفع وصاية المؤسسات الدينية عن شعبها وعن كل من ينتمي إليها وفتح الأبواب للجميع للانطلاق والتعايش ومعايشة تجربة الحياة المختلطة بالمصريين جميعا وبالعالم أجمع وأنا أثق وأحترم معتقدي وديني وأحترم معتقد ودين الآخر لا فرق بيننا جميعا فكلنا ينتمي إلى مصر العظيمة بينا كلنا وكلنا ينتمي إلى الإنسانية جمعاء هو مطلب وأساس من أساسيات تجديد الفكر الديني

وما قرأته ورأيته أيضا يعيد علينا جميعا وبكل صراحة ووضوح فتح أبواب النقاش والحوار حول قضايا المواطنة والتعايش وقبول الآخر لدى جميع المصريين وهي قضايا ليست مرتبطة بالجانب الديني فقط ولكنها مرتبطة أيضا بجانب التعليم والثقافة والوعي والسلوكيات العامة والاقتصاد والرياضة والفن والصحافة والاعلام قضايا أساسية من جوانب ودعائم إنطلاق المجتمع نحو الرقي والتقدم وهي من أساسيات وركائز القوة الناعمة المصرية وهي قوة وتماسك المجتمع المصري كما أنها تعكس أيضا جانبا مهما وقويا من جوانب قوة ورسوخ مناعة المجتمع المصري ضد أي عوامل أو حملات مغرضة للاختراق والفرقة وإضعاف الدولة المصرية وهو ما يدعونا أيضا إلى المطالبة بمناقشة تجديد الفكر الديني لدى جميع المؤسسات الدينية المصرية الإسلامية والمسيحية وهو ما يجب أن يتوافق مع حالة التقدم والتطور في مجالات الحياة المختلفة وهو ما ينعكس على أفكار وتطلعات الشباب فليس من المنطقي أو من المقبول أن يتوقف الفكر الديني هنا أو هناك عند أساليب وقواعد ثابتة وراسخة منذ عشرات ومئات السنين مع ما يلزمها من المطالبة بحالات التسليم وهو ما يصنع حالة من عدم التوافق بين المنطق والواقع وعلوم التكنولوجيا والحياة الحديثة وفكر ولغة الشباب والعصر الحديث ولكن عند مناقشة تجديد الفكر والخطاب الديني نستطيع أن نصنع حالة من المرونة والموائمة بين قناعات الدين ومتطلبات الواقع والحياة ويترجم حالة من حالات الركائز التي يحتمي بها الوطن ويستطيع من خلالها أن يواجه الأخطار المختلفة

لا يمكن أن يختلف أحد على مدى عظمة بلدنا الحبيبة مصر ولا يمكن أن يختلف أحد على جمال وروعة ورقي وتحضر ووطنية شباب مصر ولكن هذا الشباب المصري الراقي الجميل يحتاج منا دائما إلى أن نكون بجانبه ندعمه ونساعده ونمد له يد الحياة والوطن والدين والتعايش وقبول الآخر يحتاج منا جميعا أن نظهر له دائما مدى روعة وجمال وعظمة المصريين في أن يكونوا معا يدا واحدة ونبين له أيضا مدى عظمة مصر التي لا نعيش فيها ولكنها وطن يعيش فينا نبين لشباب مصر في البيت والمدرسة والكنيسة والمسجد والشارع أن مصر سكن لنا جميعا

ربنا يحفظ مصر بينا كلنا

زر الذهاب إلى الأعلى