مقالات الرأى

حازم البهواشي يكتب: طريق الموت، هل من سامعٍ أو قارئٍ ثم مُجِيب؟!

الطريقُ بين مدينتَي زفتى والمحلة بمحافظة الغربية أصبح يُطْلَقُ عليه اسم (طريق الموت)؛ ذلك أن الحوادثَ عليه ازدادتْ بوتيرةٍ مُتسارعةٍ حصدتْ أرواحَ كثيرين، وتَعِبَ معها الناسُ من متابعةِ أرقامِ الضحايا!!

لا يُنكرُ أحدٌ أن سلوكَ المواطن ووعيَه يُسْهِمَان في قِلَّةِ أو زيادةِ حوادثِ الطريق، كما لا يُمكِنُ لأحدٍ أن يُنكِرَ أن تقصيرَ الحكومةِ في رفعِ كفاءةِ هذا الطريق (تمهيدًا وإنارةً وعلاماتٍ إرشادية وكاميرات مراقبة للسرعة) والعملِ على توسعتِه يُساهم أيضًا في زيادةِ الحوادث.

آخِرُ هذه الحوادث، فاجعةٌ أودتْ بحياةِ أبٍ وابنِه، فضلًا عن عددٍ من المصابين معظمُهم من التلاميذ والتلميذات! تخيلوا معي ما أصابَ هذه (الزوجة / الأم) التي خرج زوجُها وابنُها معًا أمام عينَيْها، يَرتديان ملابسَهما العادية، ليعُودا بعد ساعاتٍ معدودات يَرتدي كلٌّ منهما كفنًا!! هم في لِبَاسٍ بِيض، و (الزوجة / الأم) تتشحُ بالسواد كما أهل قرية (منية المباشرين _ زفتى _ غربية) الذين احتشدوا لتوديع الأبِ وابنِه إلى لقاء الله!!

كادت (الزوجة / الأم) في هذا اليوم أن تقولَ لهما: (لا تخرجا)، لكنّ شيئًا ما حبَسَ لسانَها، ولأول مرة تَجري إلى النافذة وتنظرُ إليهما بعد ما خرجا، وفي قلبِها وعقلِها هاتفٌ يقولُ لها: (ودِّعي زوجَكِ وابنَكِ؛ فهذه هي المرةُ الأخيرة …)!! تطرد (الزوجة / الأم) هذه الهواجسَ وتَستعيذُ بالله من الشيطان الرچيم، وهي ترى زوجَها وابنَها مِن ظهرَيْهِما لا يَلتفِتان، فأحسَّتْ أنهما يَقُولان لها: (إنَّ لنا وجهةً أخرى ولن نعود، كان طعامُ الإفطار مع كوب الشاي آخرَ عهدِنا معًا، أما الغَدَاء فليس لنا فيه نصيب، هكذا هي الدنيا)!!

بدايةً من هذا اليوم سيبدأ عُمْرُ (الزوجة / الأم) يَتسللُ شيئًا فشيئًا، و “يموت الحيُّ شيئًا فشيئا؛ وحين لا يَبقى فيه ما يَموت، يُقال: مات”. على حد تعبير “مصطفى صادق الرافعي” (1880م _ 1937م)

لعلها لا تبكي ذهابَهما عنها فقط، لكنها تبكي بقاءَها دونَهما، فكيف هي الحياةُ بدونِ أحباب؟! إنَّ شيئًا في القلبِ لم يَعُدْ كما كان، غابَ الأحبابُ عن العين، وغابت (أيامنا الحلوة)، ولا تدري (الزوجة / الأم) كيف ستكون الحياةُ بعد ما يَمضي كلُّ مَن حولَها مِنَ المُعَزِّين، ثم يُغْلَقُ عليها بابُ منزلِها؟!

إحساسٌ يَقُضُّ مَضاجِعَ المسؤولين إن كان لا يَزال هناك دَمٌ يَجري في عروقِهم، فالدماءُ على الأسفلت لعنةٌ على كل مُقصِّر، لن تتركَه يهنأ بلُقمَةِ عَيْشٍ مع أُسرتِه، وقد تحطمتْ أُسَرٌ كثيرةٌ بفقدِ حبيب!!

والسؤال: هل هناك عددٌ مُعين يجبُ أن يَلقَى مصرعَه من الأهالي حتى يتمَّ النظرُ إلى الطريق؟! لقد لقِيَ كثيرون مصرعَهم على هذا الطريق، وأرجو أن يُبلغَنا السادةُ المسؤولون (إن كانوا مسؤولين) عن العدد النهائي المطلوب حتى يُعتَنى بالطريق!! ولستُ أبالغ إن قلتُ: إن الناسَ في جميع القرى على استعدادٍ لاستكمال العدد المطلوب لإنقاذ الباقين!!!

العنايةُ بهذا الطريق باتت أمرًا مُلِحًّا، وتوسعتُه باتت أمرًا ضروريًّا، ولعل ما حدث كان دافعًا فِعْلِيًّا ليتحركَ المسؤولون نحوَ إصلاحِ ما فسد، وقد تحركوا بالفعل، ويبقى الجميعُ في انتظارِ التنفيذ لا الزيارات والكلمات المتأثرة بالمأساة؛ حتى يَشْعُرَ أهلُ مَن ماتوا مؤخرًا أن دمَهم أثمرَ عن إحياءِ آخرين، فيكون ذلك سبيلًا لاحتمال الأحزان والصبر على الفِراق، واللهَ نسألُ أن يُلْهِمَ ذَوِي الضحايا الصبرَ الجميل.

زر الذهاب إلى الأعلى