مقالات الرأى

عبد المعطى أحمد يكتب: تناقضات الكبار!

هناك الكثير من السلوكيات التى يمارسها الكبار تسبب للصغار حالة من الحيرة والغرابة, فكثير من الآباء المدخنين يحذرون أولادهم من التدخين وأنه ضار وقاتل, بينما يدخنون أمامهم ليلا ونهارا!, يهتمون بنظافة البيت ويعاقبون أطفالهم على أى ورقة صغيرة تلوث المكان, بينما يلقون أمامهم القمامة فى الشارع ولايهتمون بنظافته!, يربون أطفالهم على الصدق وعدم الكذب, ويمارسون أمامهم الكذب فى مواقف عديدة, بل ويكلفونهم بالكذب نيابة عنهم” قل لهم بابا غير موجود أو قولى لهم ماما نايمة”! يرفضون التنمر ويعاقبون الصغار عليه , بينما يتنمرون فى أحاديثهم عن بعض الأشخاص أمامهم! , يرحبون ببعض الأهل والأصدقاء, ثم يتحدثون عنهم بشكل سلبى, ويرفضون وجودهم!
خلاصة الكلام راقبوا أنفسكم قبل أن تعاقبوا أطفالكم, وتجعلوهم فى حيرة لاتنتهى.
هل تعلم أن فلاحا مصريا من محافظة الأقصر باع عام 1917 تمثال آمون الذهبى الموجود حاليا داخل متحف المتروبوليتان للفنون فى الولايات المتحدة الأمريكية, مقابل جنيه مصرى واحد عندما اشتراه عالم الآثار البريطانى هواردكارترمكتشف مقبرة الملك توت عنخ آمون, وقد وصل سعر التمثال الآن 83مليون دولار. يذكر أن الجنيه فى ذلك الزمان يعد مبلغا كبيرا, وبعد سنوات انتقل التمثال إلى اللورد جورج كارنارفون شريك كارتر فى أعمال التنقيب قبل أن يتداول بين عدد من المجموعات الخاصة ليظهر مجددا فى مزاد علنى عام 1983,حيث بيع مقابل نحو 83مليون دولار, ثم استقر داخل متحف المتروبوليتان فى نيويورك ليصبح من أبرز القطع الأثرية المصرية المعروضة بالمتحف.
يستحق المصريون أن يحققوا أحلامهم فى مستقبل أفضل بعد سنوات طويلة من التضحيات وصبرهم على الأزمات المتتالية التى ماكادوا يخرجون من إحداها حتى تضربهم بأشد منها, ومع ذلك يتحملون المشاق ويواصلون بذل العرق والجهد والعمل لزيادة الانتاج وبناء دولتهم رغم كل الصعاب والتحديات التى تحيط بهم من الداخل والخارج! ينتظر الشعب بفارغ الصبر “طوق نجاة” ينقذهم من موجات الغلاء المتلاحقة التى زادت من معاناتهم خاصة بعد أزمة وباء كورونا, ومن بعدها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية , مما أدى إلى ارتفاع كبير فى أسعار المواد الغذائية والطاقة, ومن المتوقع أن يزداد الوضع سوءا إذا استمرت الحرب التى لايعلم سوى الله متى ستنتهى!
مصر دولة كبيرة بتاريخها وموقعها وشعبها وجيشها وثقافتها ,لكنها تستطيع أن تكون أقوى حين تتحول امكاناتها المتعددة إلى منظومة تعمل فى اتجاه واحد, وهذا هو التحدى الحقيقى أمامنا أن تكون لدينا رؤسة مشتركة للمستقبل, وأن نعرف إلى أين نريد أن نذهب, وأن تعمل مؤسسات الدولة والمجتمع معا, كل فى دوره لتحقيق هذه الرؤية.
لو أن المؤرخ اليونانى القديم هيرودوت عاد إلى الحياة ليعيش معنا فى عصرنا هذا, لما تردد فى أن يراجع نفسه, ويصحح عبارته التى قال فيها: إن مصر هبة النيل ليجعلها مصر هبة المصريين مثلما فعله المؤرخ المصرى الكبير محمد شفيق غربال , نعم النيل موجود منذ الأبد, ووجدت على ضفافه جماعات كثيرة, ولكن جماعة واحدة من تلك الجماعات قررت أن تبقى فى الشمال تروض النهر, وفى الألف الرابع قبل الميلاد اتحد شمال مصر وجنوبها على يد الملك مينا, وظهرت أول دولة فى تاريخ العالم! نعم مصر هبة المصريين!
الدولة التى تسمع مواطنيها أقوى من الدولة التى تتحدث إليهم فقط, والدولة التى تسمح بتعدد الرؤى أكثر قدرة على اكتشاف الخطأ قبل أن يتحول إلى أزمة, والقيادة الاستراتيجية الحقيقية لاتخشى السؤال لأن السؤال المبكر قد يحمى الدولة من إجابة متأخرة.
المبانى مهما كانت عظيمة لاتصنع القوة وحدها, والتكنولوجيا مهما بلغت دقتها لاتضمن وحدها صواب القرار, ومراكز القيادة لاتصبح مؤثرة بمجرد اجتماع الشاشات والمعلومات داخلها, وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى رؤية, والرؤية إلى قرار, والقرار إلى فعل منسق يخدم أهداف الدولة, ويحمى مستقبل مواطنيها.
العالم اليوم يغرق فى البيانات, لكن الدول لاتتقدم بكمية ماتعرفه فقط, وإنما بقدرتها على فهم العلاقة بين الأشياء, وعلى الاستماع إلى الرأى المختلف, وعلى مراجعة الافتراضات القديمة, وعلى توقع النتائج غير المقصودة للقرارات قبل وقوعها, ومن هنا تأتى أهمية كلمة” الاستراتيجية”, فالاستراتيجية ليست إدارة الحاضر فقط, بل القدرة على تخيل المستقبل والاستعداد له, وليست الاستراتيجية – فى رأيى- أن نعرف ماذا سنفعل غدا, وإنما أن نسأل: أين نريد أن تكون مصر بعد عشرين عاما, وما القرارات التى يجب أن نبدأ فى اتخاذها اليوم حتى نصل إلى هناك.
لاتحتاج الدول إلى طرد خبرائها حتى تخسرهم, يكفى أن تفصل بينهم وبين القرار بيروقراطية معقدة, أو تستدعيهم بعد اتخاذه للزينة ,أو تختار من يجيدون الموافقة بدلا ممن يعرفون, وقد يبقى الخبير فى بلده لكنه يعيش هجرة داخلية.إن إهدار الخبرة قد يكون إقصاء مباشرا, وقد يحدث ببطء حين ينقل صاحب الكفاءة إلى موقع بلاصلاحيات, وهناك صورة أشد قسوة أن يستدعى الخبير ليمنح غطاء مهنيا لقرار اتخذ بالفعل.
إن حماية الدولة ليست مسئولية الجيش وحده, وإن بناء المستقبل ليس مسئولية الحكومة وحدها, وإن النهضة لاتصنعها مؤسسة منفردة مهما كانت قوتها, والدولة الحديثة شبكة مترابطة, وإذا ضعفت إحدى حلقاتها تأثرت بقية الحلقات.
القوة فى القرن الحادى والعشرين لم تعد صوت السلاح وحده, لكن القوة هى العلم والاقتصاد والتعليم والثقافة والثقة وكفاءة المؤسسات والقدرة على رؤية المستقبل قبل أن يصبح حاضرا , وعندما تعمل كل هذه العناصر معا فى تناغم تصبح القوة خاصية للدولة كلها لامجرد أداة فى يد جزء منها.
القيمة الكبرى لأى مؤسسة لاتقاس فقط بجمال مبانيها أو تطور أجهزتها, وإنما بالأفكار التى تنتجها والقرارات التى تحسنها, والأزمات التى تمنعها قبل وقوعها, والمستقبل الذى تساعد الدولة على بنائه.
إذا أردت أن تهدم حضارة فاحتقر معلما, وأذل طبيبا, وهمش عالما, واعط القيمة للتافهين.!
هل تعلم أن أول جنيه مصرى صدر بتاريخ 2ابريل1899وكان يساوى 7جنيهات ذهبية, أى مايعادل الآن 215 ألف جنيه تقريبا. دعونا نبكى فى صمت!.
يقول الدكتور سعد الدين الهلالى أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر الشريف: إن النبى محمد صلى الله عليه وسلم ألبس البراء بن عازب رضى الله عنه خاتم ذهب بيده, وأن سبعة من الصحابة الكرام منهم حذيفة بن اليمان, وسعد بن أبى وقاص, كانوا يرتدون الخاتم الذهبى مخلصا من ذلك إلى أن المسألة خلافية وغير محرمة, بل متروكة للانسان.
العالم يفسح الطريق لغيره الذى يعرف إلى أين هو ذاهب.
لاتوجد وصفة سحرية تضمن استقرار المجتمعات سوى العدالة.
امتلاك المعلومات لايعنى بالضرورة امتلاك المعرفة, وامتلاك المعرفة لايعنى بالضرورة امتلاك الحكمة اللازمة لاتخاذ القرار.
الأخوة تعنى الأمان, والحب غير المشروط والتضحية من أجل الآخر.
كن الصياد أو كن الفريسة, ولكن إياك أن تكون الطلب الذى يحضر الفريسة للصياد.
أقرب الناس إلى السكينة من قلت مطالب نفسه, وكثر حضور قلبه.
مسكين هذا الذى يتصور الحياة رحلة ممتعة, ينعم بكل لحظة فيها, فالحياة كفاح وتعب, ولاطعم للحلوى فى فم من تذوق العسل طول عمره.

زر الذهاب إلى الأعلى